عرض تركي للتدخل والحسم في اليمن.. هل تستجيب الشرعية؟ وما التغير الجديد في رؤية أنقرة للحل وموقفها من الحوثيين؟

بعد أن وضعت حرب الستة الأسابيع في 'القوقاز' أوزارها بانتصار أذربيجان، التي استعادت أراضيها المحتلة من قبل 'أرمينيا'، بدعم تركي كبير، حيث توقف القتال في 10 نوفمبر /تشرين الثاني 2020، بوساطة روسية، قارنت النّخبة اليمنية بين دعم تركيا الحاسم لأذربيجان ودعم التحالف لليمن، وهو ما دفع بعض الناشطين اليمنيين إلى مطالبة تركيا بالتدخل في اليمن عبر دعم الشرعية عسكريا أو سياسيا، للانعتاق من الوضع الراهن.

 

 

وفي تلك الأجواء، وبالتحديد في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، كتب ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي أردوغان مقالا بعنوان: "نظرة تركيا إلى اليمن في ضوء تجربتها في ليبيا وأذربيجان والصومال". 

أقطاي وبعد أن تحدث في ذلك المقال عن الدور الإيجابي التركي في ليبيا والصومال وقطر وسوريا وأذربيجان، تحدث عن رؤية تركيا للحل السياسي في اليمن، وهو: "الاعتراف بكافة شرائح الشعب اليمني، وفتح الطريق أمام جو حوار من شأنه أن يجلب السلام"، منتقدا سياسة التحالف الخاطئة التي تحارب الحوثيين، وفي الوقت نفسه سياسة خاطئة مع الأطراف اليمنية الأخرى، تقوم على التعامل مع جميع الأطراف اليمنية كأعداء محتملين، كتعامل التحالف مع حزب الإصلاح، الذي يعتبر -وفق أقطاي- الأكثر تنظيما وشرعية على مستوى جميع الأطراف في اليمن، مؤكدا أن التحالف لم يكن هدفه إحلال السلام أو توفير الاستقرار للشعب اليمني، بل تأسيس حكومة وإدارة تتبع له وتتلقى الأوامر منه.

* الرؤية التركية الجديدة

وفي مقال جديد لـ أقطاي نشر في 18 يناير الجاري ، يتضح لنا أن الرؤية التركية للحل في اليمن قد تحولت من الدعوة إلى الحوار السياسي بين كل الأطراف اليمنية إلى الحسم العسكري ضد الحوثيين كحل وحيد، حيث أكد أقطاي أن "من يزعم بأنه الجدير بالحكم لن يكون منفتحا بالتالي أمام أي عملية حوار"، في إشارة إلى الحوثيين الذين يئست تركيا من استجابتهم لحوار سياسي مثمر يؤدي إلى سلام واستقرار في اليمن، فهم -بحسب أقطاي- "لا يمتلكون في النهاية إلا مجتمعا محدودا، وليس لجماعة الحوثي أن تحظى بالاستيلاء على اليمن بشكل كامل، ولا أن تتمكن من الحفاظ على ذلك فترة طويلة، سواء بوسائلها الخاصة أو من خلال دعم طهران لها".

ترى تركيا الآن أن الحل في اليمن هو في الحسم العسكري، فالتحالف هو من يسعى لتعقيد الأمور وإطالة أمد الحرب، حيث أكد أقطاي "أن قوات التحالف تعيق اليمنيين من التغلب على الحوثيين وتتعمد عدم تزويد قوات الحكومة الشرعية في اليمن بأسلحة نوعية من شأنها صنع تفوق على قوات الحوثي".

حيث يؤكد أقطاي أنه "وفق المعلومات الدقيقة، فقوات الشرعية تمتلك من القوة ما يكفي لدحر جماعة الحوثي والتغلب عليها بالكامل، لو أعطيت لها الفرصة لذلك، أو بمعنى آخر لو لم يقف التحالف العربي ضدّها لفعل ذلك" .

* ما الذي تغير في رؤية تركيا للحوثيين؟

المستشار ياسين أقطاي ألمح، في المقال الأول، إلى استعداد تركيا لرعاية مفاوضات يمنية، وللقيام بدور الوساطة والمصالحة في اليمن، ويطمئن الجميع في اليمن أن تركيا لن تقف مع طرف ضد آخر، إذا تدخلت بأي شكل من الأشكال، وإنما ستعمل على إيجاد جو حوار وسلام، وفرض شراكة الجميع دون إقصاء لطرف، وتحدثت مصادر حينها عن فتح الخارجية التركية قنوات تواصل بقيادات من المؤتمر، ثم تلاشى الجدل عن الدور التركي القادم في اليمن، لتنشغل النخبة اليمنية بعد ذلك بقضايا أخرى، مثل: تشكيل الحكومة الجديدة, وبدا وكأن تركيا قد أجلت موضوع التدخل في اليمن إلى أجل غير مسمى، ليعود المستشار ياسين أقطاي، في 18 يناير /كانون الثاني الجاري، إلى كتابة مقال جديد عن اليمن بعنوان: "هل من الصعب جدا إنهاء الحرب في اليمن؟".. بدأه بالحديث عن "ثورة الشعب اليمني قبل عشر سنوات، مع انطلاقة الربيع العربي، التي تكللت برحيل صالح، وما حدث بعد ذلك من مشاكل وثغرات أمنية، أتاحت لجماعة الحوثي 'المدعومة من طهران' الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح وبالعنف والإكراه".

الملفت للنظر أن أقطاي في هذا المقال هاجم الحوثيين بقوة.. فبعد حديثه السابق عن ضرورة إشراكهم في الحوار السياسي كطرف يمني، هاجمهم في مقاله الأخير: "هم الجانب المخطئ من الأساس، حيث استولوا على السلطة بدعم من طهران والإمارات، وبقوة السلاح والعنف والإكراه، وقاموا بانقلاب عطل الحوار الوطني، ويريدون السيطرة على الحكم، استنادا إلى مذهبهم الشيعي".

أقطاي تحدث عن تدخل التحالف وإفرازاته المأساوية، مؤكدا أن "القوات اليمنية المحلية 'الشرعية' تمتلك من القوة ما يكفي لدحر جماعة الحوثي والتغلب عليها بالكامل، لو أعطيت لها الفرصة لذلك، أو بمعنى آخر لو لم يقف التحالف العربي ضدّها". 

* هل تستجيب الشرعية للعرض التركي؟ 

يبدو من خلال هذا الطرح أن تركيا قررت أن تتدخل عسكريا في اليمن من خلال دعم صادق وقوي للجيش اليمني (قوات الشرعية)، حتى تنتصر على الحوثيين.

ومن المؤكد أن تركيا لن تتدخل إلا بدعوة رسمية من قيادة الشرعية، وهذا المقال هو بمثابة عرض من القيادة التركية للشرعية اليمنية، من حليف استراتيجي وصادق، فهل تلتقط قيادة الشرعية الرسالة، وتمد يدها لتركيا، للخروج من دوامة الحرب، والاستنزاف، والتخريب، والتفتيت التي ينتهجها التحالف؟!

على المدى القريب لا يبدو أن قيادة الشرعية، ممثلة بالرئيس هادي، سوف تستجيب لهذا العرض، لارتهان قرارها للسعودية التي تسعى لإبقاء الوضع في اليمن على ما هو عليه، كونه يحقق مصالحها، ويخدم أجندتها. في الوقت الراهن لن تستطيع الشرعية الخروج من دوائر التبعية للسعودية والتوجه نحو تركيا، لكن على المدى المتوسط وبعد أن يتأكد للجميع الفشل التام لحكومة الشرعية في عدن وانقلاب الانتقالي عليها ومحاصرتها، لن يكون أمام أبناء اليمن إلا إيجاد خيارات جديدة لإنقاذ وطنهم، والتوجه نحو تركيا كحليف استراتيجي وصادق وكحل أخي

 

<