أعزب ووالده غريب الأطوار يحظر لبس النظارات.. ما لم تعرفه من قبل عن السلطان قابوس

خلال أول عامين من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واجه السلطان قابوس بن سعيد، حاكم سلطنة عُمان الراحل، أوضاعاً عصيبة في المنطقة: متمردون حوثيون مدعومون من إيران يشعلون حرباً على حدود بلاده في اليمن، وإسرائيل تهاجم حلفاءه الفلسطينيين، وواشنطن آخذة في التخلي إلى حد كبير عن سياستها الدبلوماسية المعتادة في الشرق الأوسط.

ومع ذلك فإنه بدلاً من البحث عن ملجأ لنفسه في التحالف الذي تقوده السعودية من دول الخليج، عمد القائد المخضرم إلى فعل شيء مختلف. أولاً، دعا الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى قصره في مسقط. بعد ذلك، استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومدير وكالة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) يوسي كوهين، في زيارة رسمية لبلاده.

وتمثل استضافة قادة كل من إسرائيل والجمهورية الإيرانية أمراً لا يمكن تصوره في أي دولة عربية أخرى تقريباً. أمَّا بالنسبة إلى قابوس، الذي توفي في 10 يناير/كانون الثاني، بعد قيادته للبلاد لما يقارب 50 عاماً، كانت هذه مجرد وسيلة لتعزيز مكانة عمان كأفضل وسيط للتوافق في المنطقة.

على الرغم من أنه ظل غير معروف على نحو كبير خارج الدوائر الدبلوماسية، فإن قابوس كان، طوال الجزء الأكبر من حياته المهنية الطويلة، ركيزة أساسية لا غنى عنها للنظام الدولي في المنطقة. وخلال السنوات الأخيرة، بدا في كثير من الأحيان وكأنه رجل ينتمي إلى عصر آخر.

وفي الآونة الأخيرة، استضافت عُمان محادثات غير مباشرة بين السعودية والمتمردين الحوثيين، في مساعي لإنهاء الحرب المدمرة التي استمرت خمس سنوات في اليمن، إلا أن أعظم ثمار دبلوماسية قابوس كانت التقارب الذي أسهم في تخطيطه وإحداثه بين إيران والولايات المتحدة.

وقد شرع في هذه الجهود في عام 2009، بعد أشهر قليلة من تولي باراك أوباما منصبه. إذ عرض مبعوث عماني فتحَ قناة خلفية للتحدث مع طهران، وبعد فترة وجيزة، تفاوضت عُمان على إطلاق سراح ثلاثة جوَّالين أمريكيين كانوا معتقلين في إيران. وبحلول عام 2012، بدأ مسؤولون كبار في وزارة الخارجية الأمريكية يجتمعون سراً مع نظرائهم الإيرانيين في مسقط لوضع الأسس لما أفضي إلى الاتفاق النووي الإيراني بين البلدين في نهاية المطاف.

عندما انتُخب حسن روحاني، وهو براغماتي معتدل، رئيساً لإيران في عام 2013، سافر قابوس، مستشعراً الفرصة البادية بانتخابه، إلى طهران على الفور، ليصبح بذلك أول رئيس يستقبله روحاني، كما التقى بالمرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي. وبحلول نهاية العام، كانت قدرة عُمان على الحصول على دعم إيراني رفيع المستوى للمفاوضات قد مهدت الطريق لاتفاق مرحلي بين طهران من طرف وواشنطن وحلفائها في الطرف الآخر.

الآن وقد جرى التخلي عن الاتفاق النووي لعام 2015 رسمياً، من جانب كل من الولايات المتحدة وإيران، وتولى جيل جديد عازم على تأكيد ذاته من الحكام المطلقين السيطرة على شبه الجزيرة العربية، لم يعد من الواضح ما إذا كانت سمات السلطوية المنفتحة دبلوماسياً على العالم التي كانت علماً عليه ستصمد بعده أم لا.

إذ فيما يتعلق بقابوس، فإنه لم يكن يرى أن ثمة تناقضاً في إيجاد أرضية مشتركة مع كل من قادة إسرائيل من جهة وأشد أعدائهم في إيران أو فلسطين على الجهة الأخرى، تماماً كما لم يجد تناقضاً بين نظامه السلطاني الاستبدادي بدرجة كبيرة، وبين المجتمع الحديث الليبرالي شديد التنوع الذي حكمه.

وفي الوقت الذي كان الدبلوماسيون والجماعات المتمردة يجرون مفاوضاتهم خلف الكواليس، كانت مسقط يرتفع ذكرها بدار الأوبرا العالمية التي أقيمت فيها، والتي افتتح عروضها الموسيقار الإسباني بلاثيدو دومينغو والمخرج الإيطالي فرانكو زافاريلي، في خريف عام 2011، في وقتٍ كانت المنطقة المحيطة كلها تضج بالاحتجاجات. (وعمان كان لديها ربيعها العربي أيضاً، لكنها تمكنت من تجاوزه وصرف الأبصار عنه على نحوٍ هادئ).

ضرب السلطان المثقف الأعزب والخبير بأحوال الدنيا والناس في الوقت ذاته نموذجاً جديراً بالإعجاب لأجيال من رجال الدولة في الغرب وقادة الشرق الأوسط على حدٍّ سواء. حتى إن نتنياهو أبدى إعجابه به بعد زيارته في عام 2018، قائلاً: «لديه روح فنان. لقد اكتشفنا أننا نقرأ الكتب نفسها».

وقد كان من الصعب للوهلة الأولى تصور الإنجازات التي حققها قابوس بعد ذلك، عندما أزاح والده في انقلاب مدعوم من بريطانيا في عام 1970. في ذلك الوقت، بدت عُمان غارقة في ظلمات التأخر، دون أي طرق معبّدة، يعم أهلها الفقر المدقع والأمية، ووالد قابوس كان غريب الأطوار، تلبّسه الخوف من التغيير، فأخذ يحظر كثيراً مما يمت بصلة بالتكنولوجيا الحديثة، حتى نظارات العيون. علاوة على تمرد ماركسي اندلع في الجنوب، معرضاً البلاد لخطر الانقسام والتمزق.

بيد أنه بدعمٍ كبير من بريطانيا وشاه إيران، تمكّن السلطان الشاب من قمع الانتفاضة دون خسائر كبيرة. ثمَّ عمد إلى استغلال احتياطيات النفط الكبيرة في البلاد لإطلاق برنامج تنمية سريعة للبلاد يتمحور حول إنشاء المدارس وتعبيد الطرق وإقامة المستشفيات، والأهم من ذلك تجذير الهوية العمانية.

ولـمّا كانت عمان ذات تراث وتاريخ طويل بوصفها إمبراطورية مطلة على البحر الهندي، فإن سلطنة عمان تضم طوائف متنوعة من السكان على نحو غير عادي، إذ تحتضن البلاد أعداداً كبيرة من البلوش وأقليات من جنوب آسيا، ومن شرق إفريقيا يتحدثون اللغة السواحلية، إضافة إلى العرب بالطبع. وعلى الرغم من أنها تضم عدداً من السكان السنة وأقلية شيعية صغيرة، فإن المذهب السائد في البلاد، هو إسلام الفرقة الإباضية الأقل أتباعاً، والأكثر زهداً، والذي ينزع إلى السياسات الهادئة والتسامح مع الديانات الأخرى.

وبتحويل هذا التراث المتميز المختلط إلى قيمةٍ وطنية أساسية، تمكَّن قابوس من توحيد شعبٍ منقسم -يبلغ تعداده الآن حوالي 4.6 مليون نسمة- تحت نظامه المُحدث. وما ساعده كذلك أنَّه رسخ قبضته على البلاد بإحكام، إذ تولَّى بنفسه مناصب وزير الدفاع ووزير الخارجية ووزير المالية ورئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة، وقمع أي بادرة تطرُّف ديني بسرعة.

وبحلول الثمانينيات من القرن الماضي، كانت النهضة العمانية -كما يُعرف تحوُّل البلاد رسمياً- تسير على أكمل وجه، واستطاع قابوس استخدام مهاراته في توحيد الأطراف المتنازعة في السياسة الخارجية. ففي أثناء الحرب بين إيران والعراق، حافظت عمان على علاقاتها مع الجانبين، واستضاف السلطان قابوس محادثات سلام سرية بينهما. وفي العقد الأول من القرن الحالي، أصبحت عُمان بارعة للغاية في سدٍّ الانقسام الشيعي السني، بالرغم من عضويتها النشطة في مجلس التعاون الخليجي، وتحالف بين المَلَكيات السنية يضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ولكن بينما كانت هذه الدبلوماسية تتضح للعيان، كانت الأوتوقراطية الليبرالية للسلطنة تتعرَّض لضغوطٍ متزايدة. فحوالي نصف سكان عُمان المتزايدين تقل أعمارهم عن 25 عاماً، ومع تراجع عائدات النفط، تباطأ نمو الوظائف. وفي أثناء الربيع العربي، شهدت عمان احتجاجات واسعة النطاق، بعضها استهدف النظام مباشرة. إذ دعا ناشطون شباب آنذاك إلى تشكيل هيئة تشريعية منتخبة ووضع دستور تعاقدي، وبينما خرج الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بالوظائف والحريات السياسية، وقعت اشتباكات عنيفة مع الشرطة.

لذا سرعان ما أعلن قابوس، الذي شعر بقلقٍ شديد، توفير 50 ألف فرصة عمل جديدة، ومَنَح مجالسه الاستشارية بعض الصلاحيات الإضافية. لكنَّه فرض قيوداً جديدة على حرية التعبير، واعتقلت السلطات عشرات المُدوِّنين والناشطين.

وحين كنت أعِد تقارير في عام 2014 عن عواقب هذه الأحداث التي لا يعرفها الكثيرون، وجدتُ أنَّ الدعم الذي كان السلطان المُسِن يحظى به ظل قوياً. ولكن كانت هناك رقابة متزايدة، وعبَّر الكثير من الشباب آنذاك عن قلقهم حيال مستقبلهم. ثم أصبحت الأوضاع أسوأ في السنوات الأخيرة، إذ بلغت نسبة البطالة بين الشباب 50%، وهي واحدة من أسوأ النِسَب في منطقة الخليج.

وما يزيد التحديات التي تواجه السلطنة بعد رحيله هو أنَّه لم يترك وريثاً مباشراً. وصحيحٌ أنَّ خليفته -ابن عمه الذي لم يتعرض لاختبارات كثيرة والذي يُدعى هيثم بن طارق آل سعيد- تعهَّد بمواصلة سياسات قابوس، ويتوقع أن يحظى بمساعدةٍ كبيرة في هذا الصدد من يوسف بن علوي، الدبلوماسي البارز لدى السلطان الراحل، لكنَّ هيثم لديه القليل من نفوذ سلفه الذي كان يحظى باحترام طاغٍ وشعبية هائلة، وكذلك فليس من الواضح أنه يمكنه الاعتماد على العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة التي تمتَّعت بها عمان فترةً طويلة.

فبعد بضعة أشهر من تولِّي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصبه، كان قد أجرى محادثات مع كل دولةٍ من دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء عمان. ومنذ ذلك الحين، قطعت إدارته المساعدات العسكرية للبلاد بينما عزَّزت علاقاتها مع الأمير السعودي محمد بن سلمان. ويبدو أنَّ السلطنة تُعتبر الآن مُقرَّبة أكثر من اللازم إلى إيران. 

خُلاصة القول أنَّ وفاة قابوس قد تُمثِّل أكثر من مجرد وفاة أحد أكثر قادة الشرق الأوسط مرونة. إذ رُبما تُنذِر كذلك بكسوف نوعٍ من الدبلوماسية العقلانية التي ساعدت طوال سنواتٍ في نزع فتيل بعضٍ من أصعب الصراعات في المنطقة. فهي كالسلطان قابوس، ليس لها ورثة.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Timesالأمريكية، نقلا عن عربي بوست

 

<