تقرير اسرائيلي مثير يكشف خفايا وأبعاد هجوم ”ارامكو“ (ترجمات)

تشير آخر نتائج التحقيق في هجوم 14 سبتمبر/أيلول على منشآت النفط في "بقيق" و"خريص"، شرقي المملكة العربية السعودية، إلى أن الهجوم تم إطلاقه من الأراضي الإيرانية، وليس من قِبل الحوثيين، وكلاء طهران من اليمن، كما تم الزعم في البداية.

 

ويبدو أن الهجوم قد نفذه الحرس الثوري عبر صواريخ كروز والطائرات بدون طيار التي انطلقت من قاعدة "الأهواز" الجوية.

ووفقا لـ "سي بي إس نيوز"، تمت الموافقة على الهجوم من قبل المرشد الأعلى الإيراني، شريطة ألا يتم الكشف عن تورط إيران.

وبعد الضربة، أعلن المتمردون الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم سريعا.

وفي الأسبوع الأول بعد الهجوم، انخفض إنتاج النفط السعودي بنحو 50%، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية.

وعلى الرغم من أن هذا التأثير لم يكن بسيطا على الإطلاق، إلا أنه من غير المتوقع أن يؤدي إلى أزمة في سوق الطاقة العالمي، حيث يتعين على منتجي النفط الرئيسيين تعويض النقص المتوقع.

ويعتبر ارتفاع أسعار النفط والتباطؤ في إنتاج النفط في المملكة مجرد آثار ثانوية بالنسبة للآثار الإقليمية والجيوسياسية للحادث.

ويجب أن يحوز الهجوم على اهتمام صانعي القرار في البلدان التي هي في حالة صراع مع إيران، لأنه يمثل قفزة في الجرأة الإيرانية.

وقد يشير استعداد طهران لتحويل تصريحاتها العدوانية إلى أفعال بسرعة إلى حدوث تحول في استراتيجيتها.

ومما يثير القلق أيضا حقيقة أن الهجوم لم يتم اكتشافه من قبل الولايات المتحدة أو السعودية، مما يشير إلى الاستخدام الفعال من قبل طهران للطائرات بدون طيار والصواريخ التي تطير على ارتفاع منخفض، ما يصعب من مهمة اعتراضها.

قدرات متراكمة

وتعد كفاءة إيران في هذا الصراع غير المتماثل تتويجا للتجربة المتراكمة لقواتها في جولات القتال المختلفة في أعقاب "الربيع العربي".

على سبيل المثال، أدى القتال المستمر منذ أعوام في سوريا إلى تحسن في قدرات سلاح المشاة وتكتيكات الحرب غير المتكافئة داخل صفوف الحرس الثوري.

وساعد القتال في اليمن ومساعدة ميليشيا الحوثي طهران على تحسين قدرات التحليق والتخفي لصواريخ كروز والطائرات بدون طيار.

وأدى إطلاق عدد كبير من الصواريخ الإيرانية من اليمن نحو أهداف في السعودية، وكذلك باتجاه الإمارات، إلى تحسن كبير في قدرات الاستهداف الجوي الإيرانية.

وكان قرار التركيز على تطوير القدرة الباليستية أبرز الدروس التي استفادتها إيران من الحرب العراقية الإيرانية، وهو الصراع الذي تسبب في سقوط العديد من الضحايا وخسائر كبيرة في الممتلكات.

وأدت تلك الحرب أيضا إلى تطوير عقيدة البحرية الإيرانية، التي تقوم على الهجوم من قبل العديد من القوارب عالية السرعة التي تهاجم أهدافها في وقت واحد بالصواريخ والأسلحة النارية.

وتم تنفيذ طريقة العمل هذه مؤخرا أثناء محاولات إيران تعطيل ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز.

ومن المفيد دراسة نمط تصرفات طهران منذ اللحظة التي شددت فيها الولايات المتحدة عقوباتها على قطاع النفط الإيراني.

وكانت خطوتها الأولى هي التهديد بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الناقلات، وهو ما تم تسويقه على أنه رد فعل مضاد للعقوبات.

ورافق ذلك الكشف عن أنواع مختلفة من الصواريخ والمناورات العسكرية، مع التركيز على الذراع البحري للحرس الثوري.

ومع زيادة ضغط العقوبات، اتخذ الحرس الإجراءات التنفيذية، التي شملت تخريب ناقلات راسية على طول شواطئ الخليج العربي وخليج عمان.

وفي حين تم تنفيذ هذه الإجراءات بطريقة تحجب بصمات إيران، فقد أشارت إلى جدية نوايا طهران في حماية مصالحها.

تصعيد الهجمات

لاحقا، انتقلت إيران إلى المرحلة التالية؛ حيث حاولت الاستيلاء على ناقلات النفط، بحجة أنها عبرت الحدود البحرية واخترقت الأراضي الإيرانية أثناء عبورها مضيق هرمز.

ثم جاءت العلامة الفارقة في الصراع المتنامي في الخليج العربي حين قامت طهران بإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار في يونيو/حزيران 2019.

وألغى الرئيس "ترامب" في اللحظة الأخيرة ضربة عسكرية ضد إيران بعد حادث الطائرة.

وقد قوبل هذا القرار بارتياح كبير في طهران، ولكن من المحتمل أيضا أن يكون قد تم تفسيره على أنه إشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تريد مواجهة عسكرية مع إيران.

وكان هذا يعني لدى طهران فرصة لتصعيد عملياتها العدوانية.

وبالتوازي مع ما سبق، واصلت طهران عملياتها في سوريا ولبنان والعراق واليمن، بهدف توسيع "محور المقاومة".

وتحول العراق إلى قاعدة إيرانية لتخزين الصواريخ دقيقة الاستهداف، وتواصل الميليشيات الشيعية، التي تأسست تحت اسم "الحشد الشعبي"، اتباع أوامر طهران، على الرغم من القوانين الجديدة التي تطالبها بالاندماج في الجيش العراقي.

ولا يزال "فيلق القدس" يستخدم الأراضي السورية لتهديد (إسرائيل)، على الرغم من الخسائر التي تكبدتها القوة.

ولا يزال "حزب الله"، الذي اكتسب خبرة قتالية كبيرة في سوريا، ينفذ سياسات طهران، بينما تستخدم طهران هجمات الحوثيين على الأهداف السعودية كمجال اختيار لتحسين قدراتها الجوية والباليستية.

رسائل متعددة

وفي ضوء كل هذا، من الصعب أن نتساءل لماذا اختارت إيران أن تكون أكثر جرأة.

وكان قرار طهران بتعطيل إنتاج المملكة من النفط بشكل كبير يهدف إلى إرسال عدة رسائل.

أولها، بالطبع، كان للمملكة، أكبر منافسيها في المجال العربي، وهي أنها يجب أن تعترف بقدرة إيران العسكرية على التفوق والردع.

أما الرسالة الثانية فكانت لسوق النفط العالمي، ومفادها أن طهران ستواصل التصعيد طالما ظل قطاع النفط الإيراني يخضع للعقوبات.

وكانت الرسالة الأخيرة إلى الولايات المتحدة، وهي أن إيران ستختبر استعدادها لاستخدام القوة العسكرية لحماية حلفائها.

وكما في الماضي، كانت هذه الرسالة مصحوبة بتهديدات من كبار المسؤولين الإيرانيين من أن أي دولة سوف تتجرأ على مهاجمة إيران ستحول مصالحها إلى أهداف مشروعة للقصف الإيراني.

وفي معركة الشطرنج الدبلوماسية هذه، تظهر إيران كلاعب عقلاني محترف، فهي تخطط وتستجيب للأحداث بشكل يمزج بين الواقعية ودروس التاريخ.

وترك التاريخ آثارا عميقة على تفكير صناع القرار في إيران، وخاصة المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري.

واستخلصت طهران الدروس من أزمات مثل الحرب مع العراق، وما تلاها من إعادة بناء الدولة، ومكافحة جماعات المعارضة، وحرب الخليج الأولى عام 1991، وغزو أفغانستان، وكلها أحداث سبق أن قوضت أمنها بشكل كبير.

وتظهر إيران أنها قادرة على اغتنام الفرص، مثل استغلالها لانهيار العراق بعد غزو قوات التحالف في مارس/آذار عام 2003، وكذلك بعد صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" وتحول الاهتمام العالمي نحو مواجهة التنظيم، الأمر الذي ترك إيران حرة بشكل كبير لتعزيز "محور المقاومة" وإنشاء جيشها من الميليشيات الفوق وطنية تحت قيادة قائد "فيلق القدس".

ويعتمد أسلوب عمل إيران بشكل مستمر على اختبار احترافية خصومها واستعدادهم للرد. وما ينظر إليه الغرب على أنه ضبط حصيف للنفس، تعتبره طهران ضعفا وترددا. وبالتالي، من المحتمل أن يوصي قادة الحرس الثوري المرشد الأعلى بمواصلة الهجمات بمزيد من الجرأة وبمستوى أعلى من الدقة.

وقد أظهرت إيران إبداعا في هجومها على حقول النفط السعودية.

لكن كيف سيكون شكل التصعيد القادم؟ وإلى أي مدى قد يكون التصعيد الإيراني نتيجة لعدم وجود رد فعل مناسب؟

المصدر: مركز بيجن السادات للدراسات الاستراتيجية

هو مركز أبحاث إسرائيلي يجري أبحاثًا متعلقة بالسياسة في الشرق الأوسط والشؤون الإستراتيجية العالمية ، خاصة فيما يتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية لإسرائيل والسلام والاستقرار الإقليميين.