صحيفة لندنية تتساءل: تحرير الحديدة "جائزة كبرى أم كارثة غير محسوبة"؟

أفردت صحيفة (القدس العربي) الصادرة من لندن، اليوم الأحد ، ملفاً خاصاً عن اليمن، وبالتحديد التقدم المتسارع الذي يجري في محافظة الحديدة غربي البلاد.

وقال الكاتب اليمني “محمد جميح”، إن الشهور الأخيرة زادت حدة المعارك على الساحل الغربي في اليمن. الهدف مدينة وميناء الحديدة: هدف الحوثيين في اليمن البقاء فيها، وهدف الحكومة المعترف بها دوليا انتزاعها.

وأفاد: أن التحالف قبل أكثر من عام عرض على الأمم المتحدة تسليم ميناء الحديدة، الذي يعد أكبر موانئ البلاد، للإشراف على حركة السلع، ولمنع تهريب السلاح للحوثيين، تنفيذاً للقرار الدولي 2216.

وبين أن الأمم المتحدة رفضت الفكرة، متذرعة بأنها لا تملك القدرة-أمنياً ولوجستياً- لإدارة الميناء، وهو ما ألجأ التحالف والحكومة اليمنية إلى وضع خطط عسكرية لاستعادة المدينة والميناء.

وأضاف: أنه ومع تقدم القوات الحكومية مدعومة بطيران التحالف، تنفيذاً للخطة في ذلك الوقت، تعالت الأصوات للضغط من أجل وقف العمليات العسكرية، خوفاً من الفاتورة الإنسانية للعمليات.

وأكد أن الولايات المتحدة ضغطت حينها على التحالف، وعارضت روسيا الخطة، وعملت منظمات حقوقية وإغاثية دولية للضغط من أجل وقف المعارك، الأمر الذي أدى إلى سحب الخطة التي أعدها التحالف لتنفيذها بكتائب يمنية من الشمال والجنوب دُربت في اليمن وربما في قواعد للتحالف العربي في القرن الأفريقي.

ووفقا للكاتب اليمني، جُمدت الخطط فترة، إلى أن تزايدت نسبة تهريب السلاح للحوثيين عبر السواحل الغربية، وبدأ الحوثيون يكثفون من هجماتهم الصاروخية متوسطة المدى على مدن السعودية، وزادت خطورة هذه الصواريخ مع قدرة الحوثيين على الحصول على صواريخ قادرة على الوصول إلى العاصمة السعودية الرياض.

وبين أن كل تلك الأسباب ربما ليَّنت المواقف الدولية إزاء إعادة تفعيل الخطط العسكرية باتجاه الحديدة، وربما كان ذلك سبباً في الحراك الميداني الملحوظ في الساحل الغربي مع تقدم القوات الحكومية من مناطق ساحلية تتبع محافظة تعز إلى الجنوب من المدينة ومناطق تتبع محافظة حجة إلى شمالها باتجاه الحديدة.

وأشار إلى أنه على مايبدو هناك نوعاً من الاتفاق غير المعلن بين التحالف والقوى الدولية المعارضة للعمليات في الحديدة، ربما اقتضى هذا الاتفاق التحرك لتطويق الحديدة من البر: شرقاً وشمالاً وجنوباً، بالإضافة إلى تطويق الميناء بسفن عسكرية تتبع التحالف من جهة البحر غرباً.

وضمن الملف اليمني، يرى الصحفي محمد الشبيري، أنه منذ نحو أربعة أعوام، يعيش اليمن، الجمهورية الفقيرة، سباقاً محموماً بين جهود السلام وجنون السلاح، في واحدة من أشرس الحروب في المنطقة، خلفت آثاراً فظيعة على حياة ما يقرب من 30 مليون نسمة في طول اليمن وعرضه.

ولفت “الشبيري” إلى أن الأمم المتحدة تبذل جهوداً جبارة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ويصرّ على إتاحة الفرصة للحلول السلمية، في حين تلتهم آلة الحرب المزيد من الضحايا كل يوم، وتُغيب سجون ميليشيا الحوثي مئات المواطنين المناهضين لها، قضى بعضهم نحبه تحت التعذيب واستخدم آخرون دروعاً بشرية.

وأكد أن جماعة الحوثي ، قلّلت في الآونة الأخيرة  من مراهنتها على السلام، وراحت تتحدث عن التعبئة العامة وضرورة رفد الجبهات بالمقاتلين، وظهر زعيمها عبدالملك الحوثي، حاثّاً أنصاره على القتال الذي يعتبره «جهاداً» في مواجهة الحكومة الشرعية والتحالف العربي المساند لها، في حين تتمسك الحكومة اليمنية، والتحالف العربي بقيادة السعودية، بخيار السلام كأساس للحل، وفقاً للمرجعيات الثلاث المتعارف عليها: المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216 القاضي بانسحاب ميليشيا الحوثي من المدن وتسليم السلاح وعودة الحكومة الشرعية.

وبين أن كفة الرهان ما تزال لصالح لغة السلاح، في حين لا يمكن الحديث عن سلام ما لم يرضخ الحوثيون لشروط المجتمع الدولي ومن بينها تسليم السلاح والانسحاب من المدن التي سيطرت عليها بالقوة، وكذا عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 21أيلول/سبتمبر 2014، أي بمعنى آخر، إلغاء شرعية تواجدها وعودة الحكومة المعترف بها دولياً، وهي شروط تبدو صعبة التنفيذ إلا في حال تلقت الجماعة ضربات قاسية، كاستهداف زعيمها عبدالملك الحوثي، على سبيل المثال.

وذهب المحلل السياسي اليمني، “عبدالناصر المودع”، إلى أنه من سوء حظ اليمنيين في الوقت الحالي أن من يقرر مصيرهم أما يمنيون عديمو المسؤولية يريدون أن يستثمروا التدخل السعودي/الإماراتي لتقوية مراكزهم وتنفيذ أجنداتهم الخاصة، أو أجانب لا يفقهون في الشأن اليمني شيئا.

ولفت إلى أنه خلال سنوات الحرب اتخذت إجراءات سيئة النتائج، ورُسمت خطط فاشلة، وكانت النتيجة مزيدا من البؤس لشعب لم تكن المآسي غائبة عنه.

وأوضح “المودع” أن من تلك الخطط تلك المتعلقة بالسيطرة على الساحل الغربي من اليمن والذي يزيد طوله عن 370كم ويمتد من مدينة (ميدي) شمالا مرورا بمدينة (الحديدة) في الوسط وانتهاء بباب المندب في الجنوب.

وأشار إلى أن التحليلات التي تتحدث عن ضرورة السيطرة على الساحل الغربي، باعتباره خطوة ضرورية لإنهاء الحرب وتحقيق النصر. ويتم التشديد على أن هذه السيطرة ستكون سهلة، ولن تستغرق الكثير من الجهد، ولن تؤدي إلى خسائر كبيرة. ويسوق المؤيدون لهذه المعركة العديد من الحجج المبررة لها، ومن ذلك: أنها ستحرم الحوثيين من إيرادات ميناء الحديدة، ومن المنافذ البحرية بشكل عام، وستوقف عمليات تهريب الأسلحة، إضافة إلى أنها ستعجل بهزيمة الحوثيين.

وأكد أن تحليل العملية العسكرية بعمق وتجرد يكشف مبالغتها لحجم المكاسب التي ستجنيها المعركة، وتقليلها من فداحة الخسائر التي ستنتج عنها، خاصة على سكان المنطقة الذين لا يكترث بهم أحد. ففيما يتعلق بالشق الخاص بحرمان الحوثيين من الموارد فإن طردهم من الساحل لن يحرمهم إلا من جزء يسير منها، لا يزيد عن 15 في المئة مما يحصلون عليه ومنطقة الساحل تحت سيطرتهم، وهي نسبة سكان المناطق التي سيخسرونها قياسا بعدد السكان الذين سيستمرون في السيطرة عليهم.

تعكس تعقيدات المعركة في الساحل الغربي طبيعة الحرب في اليمن؛ فهذه الحرب قد خيضت بوسائل، وأطراف ساهمت في تعقيدها أطالت من أمدها. فهزيمة الحوثيين، وهو الهدف المفترض للحرب، لم يكن يحتاج إلى حرب بهذه الضخامة وجبهات بهذا الوسع. وكان الأسلم والأقل ضررا، هو حشد جميع المعارضين للحوثيين في جبهة واحدة، ضمن مشروع وطني جامع وبقيادة سياسية مؤهلة ذاتيا وموضوعيا لتولى تلك القيادة.

وما حدث أن السعودية ودول التحالف تماهت مع مصالح الكثير من القوى اليمنية التي رأت في التدخل الخارجي فرصة ذهبية لتقوية مراكزها وتحقيق أجنداتها، ومن هؤلاء الانفصاليين في الجنوب، والرئيس هادي، وحزب الإصلاح، والسلفيين، وتجار الحرب، وغيرهم.

فوفقا لمصالح تلك القوى تم فتح جبهات كثيرة لا تخدم الهدف الرئيسي، وتمت الاستعانة بأشخاص عديمي المسؤولية والدراية والكفاءة لتولى شؤون اليمن. وما دامت «دول التحالف» مستمرة على هذا النهج ومعتمدة على الأشخاص نفسهم، فإنها لن تحقق هدفها، وسيستمر اليمنيون في حرب لا أفق أو نهاية لها.

<