لماذا لا يحق لنا أن نحاكم الحكومة الآن ؟!

كل شيء يمضي نحو الأسوأ، مع ذلك لا نزال، وهذا من حقنا، نعقد أمل الخروج من هذا كله على الحكومة الجديدة، على الرغم من أنها هي نفسها خرجت إلى النور بصعوبة وبعد أشهر من العثرات والعوائق والإحباطات، التي فيما يبدو لم تلفت انتباهنا ولم نسأل عما إذا كانت قد انتهت أم هي مستمرة بأشكال وأوجه جديدة لم نعهدها حتى اليوم، أو لعلنا في أحسن الأحوال نسينا حدوثها أصلاً، وتذكرنا أننا فقط نريد قطف الثمار بأي وسيلة كانت.

وفي الواقع نسينا ماهو أسوأ، ذلك الاستقبال الدامي لحكومة الخلاص في مطار عدن، وما تلاها من مضايقات واستفزازات وفوضى ممنهجة وصلت حد اقتحام معاشيق.

لا أطالب أحدا الآن أن يجعل من ذاكرته نوتة لتدوين كل هذا الشطط، وهذا الهجوم المكرس لإخراج الحكومة عن العمل والوطن أيضًا، لكن هذا لا يعني أن من حقنا صرف الأنظار عنها كما لو أن شيئا لم يحدث في وقت لا نتوقف عن محاكمة الحكومة بسبب ما يبدو لنا تقصيرا منها، في حين أن أسبابه الحقيقية تعود إلى ذلك الهجوم المتلوّن الذي نتعمد، وربما عن غير قصد، تجاهله.

دعونا نتفق أولاً على طبيعة سير هذه البلاد اللعينة، سواء اليوم وهي تتآكل حربا أو منذ عقود ماضية، إنها تمضي وفق منظومة إدارية وقانونية تحكمها المشيخة والنفوذ الاقتصادي، وهذان قطبان متداخلان مع بعضهما ويغذي كل منهما الآخر ويسانده حتى أنهما يشكلان حِلفا يصعب اختراقه كما لا يمكن تطويعه بسهوله.

ماذا لو حاولنا تقييم أداء الحكومة انطلاقاً من هذا المعطى الوجودي، سنجد #رئيس_الحكومة وعدد من الوزراء فاقدي الحيلة، يعقدون اجتماعاتهم الدورية والاستثنائية ويعلنون لنا عن مخرجات ومعالجات ناجحة وفعّالة ومهمة غير أنها بالعادة لا تُنفذ بصورة سريعة، وبالطبع لا تحبط من تلقاء نفسها، في الواقع ثمة اجتماعات مضادة تُعقد في الأقبية لذلك الغرض، وفضلا عن تخاذل الأجهزة والمؤسسات الأخرى؛ فعلى واقع الأمن المتراخي في الضبط والمراقبة تنتهي الأحلام.

في الحقيقة المشكلة تكمن في رئيس الحكومة معين الذي برز من أوساط الشباب، فهو وبرغم أنه يحظى بدعم التحالف العربي والعالم(كما في البيانات والإعلام)  إلا أنه يفقد الوصفة الفعلية التي تحكم كل شيء هنا ، أو ما أشرنا إليه قبل قليل: حِلف النفوذ، (المشيخة والاقتصاد).

بالتالي مادام معين وحكومته من خارج ذلك الحِلف سيء السمعة فهم بالتأكيد عدوه الحصري، مع ما يترتب على ذلك من حرب باردة لكنها مؤثرة، وهي الحرب التي قد لا ندركها بوضوح غير أن إرهاصاتها وكذا آثارها واضحة إذا ما أردنا حقاً التقاطها، وهنا سأعيد التذكير بقصف مطار عدن وما تلاه من فوضى..!

إن هذا الغرق وهذا الطوفان الذي يعصف بالحياة ويكاد يقتلع الشرعية، ماهو إلا نتيجة لتلوغل مخالب النفوذ القبلي والاقتصادي في مفاصل الدولة، ولكم تخيّل صعوبة وتكاليف اقتلاع هذه المخالب أو تقليهما على الأقل، وهي مهمة ثقيلة على كاهل الحكومة.

ما يخنق الحياة هكذا في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية هو انهيار العملة المحلية مقابل ارتفاع قياسي في أسعار البضائع والنفط، لنضع خطين اثنين تحت النفط، وهذا من المؤكد لا يحدث من محض الصدفة بل إن استمراره وازدياده سوداويةً فعل مدروس وممنهج يعود بالربح الكثير على امبراطوريات الاقتصاد.

ويبقى الملاحظ أن انهيار الاقتصاد بصورة كبيرة يحدث عادة لمجرد تواجد الحكومة في عدن، ما يؤكد أنه مفتعل وأن ثمة من يحكم صعوده وهبوطة انطلاقا من مساعي حثيثة لإفشال الحكومة الشرعية وإغراق مناطق سيطرتها بالأزمات، وقد وصّف معين عبدالملك ما يحدث بدقة متناهية، عندما قال بإن انهيار العملة ”معركة موجّهة“، ومما لا يدع مجالا للشك أن الحوثيين طرفها رئيسا فيها، لكن هذا لا يبريء جهات وشخصيات نافذة داخل الشرعية نفسها.

في اجتماعات أخيرة لمجلس الوزراء وأخرى لرئيس الحكومة كثر وتكرر الحديث عن وضع حزمة إجراءات لتدارك ما يمكن تداركه، أو بالأصح لاستعادة ما يمكن استعادته من قبضة هوامير الفساد والنفوذ، كانت ولا تزال إجراءات مققنة وموجهة من شأنها إحداث تغيير حقيقي، غير أن المستهدفين بها من القوة والسلطة بحيث استطاعوا إعاقة تنفيذها، بل واستطاعوا شراء أصوات وسائل الإعلام والأقلام المدفوعة لمهاجمة الحكومة وتخوينها.

في ظل الانفلات الذي أفرزته الحرب ضد الانقلابيين، المسألة هكذا وببساطة، ثمة امبراطوريات أقتصاد تطمح للتوسع أكثر على حساب لقمة المواطنين وعيشهم، بينما يقاتل النافذون للتمدد أبعد على حساب القانون والدستور، وثمة حكومة تجتهد لأن تكبح جماح هذه وتلك دون أن تجد فرصة لالتقاط النفس، لهذا ولهذا فقط لا يحق لنا أن نحاكمها على الأقل الآن.

<