فريق الخبراء الأممي والرئيس صالح.. مزاعم بلا أدلة وأكاذيب بدون تصحيح

عقب الفضيحة الأخيرة لفريق الخبراء المعني باليمن والمكلف من مجلس الأمن، والذي أعلن تراجعه عما تضمنه تقريره الأخير بشأن اليمن من اتهامات للحكومة اليمنية بشأن غسيل الأموال والمضاربة بالعملة والتصرف بالوديعة السعودية بطرق فاسدة، بل وشطبه الاتهامات والفقرات الخاصة بهذا الموضوع وإعلان إقالة الخبير المالي الذي تولى جمع المعلومات وصياغتها في إطار التقرير، بدأت الكثير من التساؤلات تثار حول مصداقية عمل هذه الفرق الأممية والأهداف والأجندات التي تقف وراءها، ومدى ارتباطها بسياسات وأجندات دول ومخابرات تستخدم هذه الهياكل الأممية في خدمة أهداف ومصالح دول معينة، أو تصفية حسابات ضد دول وأنظمة وزعماء آخرين.

الفضيحة الخاصة بفريق الخبراء أثارت الكثير من التساؤلات عن حقيقة ومصداقية المعلومات التي تتضمنها تقارير الفريق السنوية والتي كانت ولا تزال تشكل المصدر الأهم لمجلس الأمن والدول الأعضاء فيه لاتخاذ قراراتهم بشأن الدول أو الكيانات أو الأفراد، ومن ذلك مدى مصداقية الاتهامات التي طالت الرئيس السابق للجمهورية اليمنية علي عبدالله صالح ضمن تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن والتي ظلت تعتمد على مزاعم واتهامات بلا أدلة حقيقية واستخدمت في استمرار فرض العقوبات على صالح بل وعلى نجله السفير أحمد علي عبدالله صالح وتصفية حسابات سياسية لخصوم صالح المحليين والدوليين وفقاً لتلك المزاعم والادعاءات.

اليمن.. وقرارات مجلس الأمن

ورغم أن أول القرارات التي أصدرها مجلس الأمن بشأن اليمن بدأت العام 2011م، حيث صدر القرار رقم (2014) في أكتوبر 2011م والذي تضمن تأييد مجلس الأمن للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية لنقل السلطة سلمياً، ثم القرار رقم (2051) الصادر في يونيو 2012م إلا أن عمل فريق الخبراء بدأ عقب إصدار المجلس للقرار رقم (2140) الصادر في فبراير 2014م والذي تضمن التهديد بفرض عقوبات على من زعم أنهم سيعرقلون التحول السياسي في البلاد وتشكيل لجنة الجزاءات التابعة للأمم المتحدة لمتابعة موضوع تنفيذ العقوبات والفريق التابع لها والذي أعد منذ ذلك الحين تقارير سنوية كانت الأساس الذي يتبنى وفقا لها مجلس الأمن كل القرارات اللاحقة والخاصة باليمن والتي بلغت (13) قرارا تضمنت كلها قرارات بتمديد العقوبات وإضافة عقوبات جديدة وتمديد عمل لجنة الجزاءات والفريق التابع لها.

وعلى الرغم من أن تقارير فريق الخبراء ظلت على مدى السنوات الماضية ينظر إليها على أنها وثائق ذات مصداقية وتحظى باهتمام دولي وسياسي وإعلامي، إلا أن الفضيحة الأخيرة للفريق الذي اضطر للتغطية على فضيحته بإلغاء وشطب فقرات كاملة من تقريره حول اتهاماته للحكومة اليمنية بممارسة غسيل أموال وفساد، وإقالة المسؤول المالي للفريق بعد المراجعة التي قامت بها الحكومة اليمنية ومعها مجموعة هائل سعيد أنعم التي كانت أحد الأطراف التي اتهمها التقرير زوراً، عكست حقيقة اعتماد تقارير هذا الفريق على بيانات ومعلومات مغلوطة وزائفة وصياغتها ضمن قوالب تظهر عليها نوعا من المصداقية خصوصا وأن الفريق يدبج تقاريره بالقول إنه يستند في جمع معلوماته على معلومات دقيقة نتيجة مقابلات، ووثائق يتم التأكد من صحتها وقرارات ولوائح صادرة عن حكومات وسلطات أمر واقع في الدول ومنها اليمن.

مزاعم خصوم صالح مبررات لعقوبات دولية

ووفقاً لما سبق سيجد المتابع، أن كل ما تضمنته التقارير الصادرة عن الفريق بشأن الرئيس السابق علي عبدالله صالح منذ بدء عمل الفريق عام 2014م وفي أول تقرير قدمه إلى مجلس الأمن في فبراير 2015م لم تكن سوى رصد وتدبيج لاتهامات سياسية محضة ظل خصوم صالح يرددونها بحقه منذ ما قبل أزمة العام 2011م وتسليم صالح للسلطة وفقا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

في السابع من نوفمبر عام 2014م أعلن مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات على الرئيس السابق علي عبدالله صالح، بمزاعم عرقلته للعملية السياسية في البلاد وتهديده للسلام والاستقرار في اليمن، وهي مزاعم ظلت محور اتهامات يكررها خصوم صالح في المعارضة التي كان يقودها الإخوان المسلمون في اليمن (حزب الإصلاح) ضمن ما سمي باللقاء المشترك منذ أول يوم عقب توقيع المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية والتي تم بموجبها تسليم صالح للسلطة إلى نائبه آنذاك عبدربه منصور هادي.

المزاعم التي استند عليها مجلس الأمن في فرض العقوبات على الرئيس صالح لم تكن سوى نسخة طبق الأصل من مزاعم وأكاذيب ظل خصوم صالح يروجونها حتى ما قبل أزمة العام 2011م، والذي شهد تحول الخطاب السياسي والإعلامي للمعارضة بقيادة إخوان اليمن إلى كتاب من المزاعم والادعاءات والافتراءات والأكاذيب التي طالت صالح وأسرته وشملت مزاعم سعيه لتوريث السلطة لنجله، وتحويله الجيش والأمن إلى جيش وأمن عائلي، وأكاذيب بشأن ثروته المالية والتي وصلت حد الادعاء بأنها تبلغ 60 مليار دولار، فضلاً عن مزاعم بتقصيره في مواجهة تنظيم القاعدة الإرهابي، بل والادعاء بأن له علاقة بقياداته.

سيل الادعاءات والأكاذيب التي ظلت قيادات المعارضة وخصوم صالح يكيلونها له تصاعدت مع انضمام خلفه الرئيس هادي الذي سلمه صالح السلطة سلمياً إلى جوقة مروجي الأكاذيب حول صالح مستخدماً سلطته كرئيس للدولة، ومستغلا علاقته بالمبعوث الأممي إلى اليمن آنذاك جمال بنعمر الذي جاهر مرارا بعدائه لصالح، فضلا عن موقف الأمريكيين الذي تجلى في التهديدات التي أطلقها سفيرهم في صنعاء حينها ماثيو تولر للرئيس صالح بضرورة مغادرة البلاد خلال ثمانية وأربعين ساعة من إنذار السفير، ما لم فسيتم إصدار عقوبات ضده بناءً على طلب تقدم به الرئيس عبدربه منصور هادي، ووزارة الخارجية الأمريكية إلى محلس الأمن وهو التهديد الذي نفذ بصدور العقوبات بعد 48 ساعة من تهديدات السفير الأمريكي.

فريق الخبراء والرئيس صالح.. مزاعم بلا أدلة وأكاذيب بدون تصحيح

ولم تكد تمر ثلاثة أشهر على فرض مجلس الأمن لعقوبات ضد الرئيس السابق علي عبدالله صالح حتى سارع فريق الخبراء الأممي التابع للمجلس لإصدار أول تقاريره المقدم إلى مجلس الأمن في فبراير 2015م والذي خصص مساحة خاصة للرئيس صالح وضمنها عدداً من الاتهامات القائمة على مجرد مزاعم وادعاءات ظل يروجها خصومه السياسيون عبر وسائل إعلامهم.

ورغم عديد المزاعم التي تضمنها التقرير إلا أن أبرز تلك الادعاءات تمثلت في الزعم بأن ثروة الرئيس صالح بلغت (60) مليار دولار، وأنه جمعها خلال فترة رئاسته لثلاثة وثلاثين عاماً، ولم يكتف التقرير بإيراد مزاعم أخرى عن علاقة صالح بتجار وشركات تجارية... الخ من المزاعم التي كانت تكراراً لما كان يدعيه خصوم صالح المحليون والخارجيون ضده في وسائل إعلامهم والتي تزعمتها وسائل إعلام الإخوان المسلمين في اليمن (حزب الإصلاح) داخليا، ووسائل إعلام قطر الداعمة الرئيسية للإخوان المسلمين في المنطقة وعلى رأسها قناة الجزيرة خارجيا.

ومع أن قيادات حزب المؤتمر الشعبي العام الذي كان يترأسه صالح قامت في الثالث من ديسمبر 2014م بتسليم اعتراض قانوني من قبله على القرار الصادر من لجنة العقوبات الدولية بمجلس الأمن إلى المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن السيد باولو لمبو، آنذاك، متضمنا تفنيدا وتكذيبا مفصلا للمزاعم حول ثروة الرئيس صالح، إلا أن فريق الخبراء لم يأبه لذلك الرد وواصل إيراد اتهاماته للرئيس صالح في تقاريره اللاحقة.

ولأن تقارير فريق الخبراء بشأن الرئيس صالح لم تكن سوى مجرد استخدام سياسي مدفوع الثمن فقد ظلت تورد ادعاءات تتهم صالح باستمرار سيطرته على قيادات الجيش والأمن، وبتحالفه مع الحوثيين ومساعدته لهم في السيطرة على صنعاء، وكلها مزاعم ارتكزت في تقارير فريق الخبراء على مفردات (مصدر سري، زعمت المصادر، ادعى المصدر) وكلها ألفاظ ومصطلحات تؤكد استناد تلك التقارير على مبادئ ومفاهيم الشك لا اليقين، واعتماد معلومات غير ذات مصداقية، ومصادر غير موثوقة.

وبالرغم من أن الرئيس صالح ظل يكرر تفنيد مزاعم الاتهامات التي ظلت تقارير الخبراء وخصومه تكيلها له إلا أن تفنيداته تلك لم يؤخذ بها من قبل فريق الخبراء الذي كشفت الأيام أن مزاعمه لم تكن سوى مجرد أكاذيب لا دليل عليها.

وكأدلة على مدى الاتهامات التي أوردتها تقارير فريق الخبراء الأممي للرئيس السابق علي عبدالله صالح يمكن الإشارة إلى أنه وضمن تقرير فريق الخبراء لعام 2017م والذي تضمن القول إن ثروة صالح التي سبق وزعم أنها (60) مليار دولار تبلغ فقط (226) مليون دولار، وهو ما يؤكد كذب تقارير الفريق السابقة واعتمادها على ادعاءات وأكاذيب يروجها الخصوم السياسيون.

وفي جهة أخرى، فإن اتهامات فريق الخبراء التي طالت الرئيس صالح بشأن مزاعم تبعية قيادات الجيش والأمن له وتأثيره عليهم في مساعدة الحوثيين على إسقاط صنعاء لم يكلف فريق الخبراء تصحيحها رغم أن كل معطيات الواقع كانت تدحضها من تسليم صالح للسلطة وإقالة هادي لقيادات الجيش وتبديلهم بقيادات موالية له، ناهيك عن تواطؤ معارضي صالح مع الحوثيين إبان أزمة 2011م واستقدامهم إلى ساحة التظاهرات ثم اعتذار الحكومة التي كان الإخوان وهادي يقودونها رسمياً للحوثيين عن حروب الدولة بقيادة صالح ضد تمردهم، وانتهاءً بعدم تحريك هادي لأي قوة عسكرية لمواجهة الحوثيين منذ خروجهم من صعدة وبدء سيطرتهم على معسكرات الجيش وصولا إلى عمران التي بعد إسقاطها زارها هادي وقال قولته المشهورة بأنها عادت إلى حضن الدولة.

وبالإضافة إلى ما سبق فإن قيادة الرئيس صالح لانتفاضة الثاني من ديسمبر ضد مليشيات الحوثي في قلب العاصمة صنعاء ومقتله على أيديهم لم يشفع له لدى خصومه ولا لدى فريق خبراء مجلس الأمن ليصححوا المزاعم التي كانوا يرددونها حوله بشأن استمرار سيطرته على قيادات الجيش وامتلاكه لعتاد عسكري.

وبالرغم من مرور أكثر من ست سنوات على فرض العقوبات الأممية على الرئيس السابق صالح ومرور أكثر من ثلاثة أعوام على استشهاده على أيدي مليشيات الحوثي لا يزال فريق الخبراء الأممي مصرا على عدم تصحيح مزاعمه حول صالح والتي ثبت كذبها، بل إن المثير للتساؤلات أكثر هو أسباب استمرار مجلس الأمن في عدم رفع اسم صالح حتى بعد موته من قائمة العقوبات، وفي الوقت نفسه استمرار فرض العقوبات على نجله السفير أحمد علي عبدالله صالح رغم أن فرض العقوبات على الأخير كان سببه ربط موقفه بموقف والده السياسي بدون أي دليل يؤكد ذلك.

الجدير بالذكر أن كثيراً من المحللين يؤكدون أن فضيحة فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن وتراجعه عن اتهاماته للحكومة اليمنية الشرعية كشف أن تقاريره، ومنها ما تضمنته ضد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، لم تكن سوى مجرد مزاعم سياسية تستخدم لتمرير أجندات وأهداف سياسية قائمة على أسس مصالح اقتصادية وتجارية وتمويلات مالية تقدمها أنظمة ومخابرات دولية لها مصالح في تمرير تلك الأجندة، ويشيرون هنا إلى وقوف دولة قطر كرأس حربة فيما يخص التأثير على صياغة مضامين تقارير فريق الخبراء الأممي الخاص باليمن، مشيرين إلى توقيت ظهور المبعوث السابق إلى اليمن جمال بنعمر على قناة الجزيرة القطرية وما كرره من مزاعم بشأن الرئيس صالح بالتزامن مع عملية المراجعة التي كانت تتم لتقرير فريق الخبراء والذي انتهى إلى انكشاف فضيحته التي لم تكن الأولى وربما لن تكون الأخيرة

<