هذا ما يحدث الان بعد التحول الامريكي تجاه الحرب في اليمن

ي أول خطاب رئيسي له عن السياسة الخارجية منذ توليه منصبه، أعلن الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة ستنهي دعمها لـ “العمليات الهجومية” في الحرب اليمنية. ويمثل تصريح الرابع من فبراير انتصاراً مهما لائتلاف من صُناع السياسات التقدميين والمحافظين والمنظمين، الذين ناضلوا من أجل إنهاء مشاركة الولايات المتحدة في الحرب. وفي حين يعد هذا الإعلان تطوراً متوقعاً، نظراً لوعود بايدن الانتخابية بإنهاء الدعم الأمريكي للحرب اليمنية، إلا أنه يمثل تحولاً كبيراً في الموقف الأمريكي منذ بدء التدخل الأمريكي في عام 2015 في ظل إدارة أوباما. فبعد أكثر من خمس سنوات من القتال، يواجه اليمن أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج 80 في المئة من السكان إلى المساعدات، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة. وقد أدى تضافر العجز في المساعدات الدولية وإعاقة الجماعات المسلحة لها، إلى عرقلة حصول اليمنيين على المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة. إن إنهاء الدعم الأمريكي للتحالف أمر بالغ الأهمية، لكنه مجرد خطوة أولى نحو إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية. كيف تورطت الولايات المتحدة في الحرب الأهلية في اليمن؟ فرت الحكومة اليمنية من العاصمة صنعاء بعد أن استولى الحوثيون عليها في سبتمبر 2014. في مارس 2015، دعت الحكومة المعترف بها دولياً تحالفاً من تسع دول عربية إلى التدخل العسكري لمواجهة تمرد الحوثيين، وإعادة الحكومة إلى السلطة. وشمل التدخل الذي تقوده السعودية حملة من الغارات الجوية، وفرض حصار على الطرق الجوية والبحرية إلى اليمن، ونشر قوات لتدريب ومساعدة القوات المحلية الوكيلة لها. ومنذ بداية تدخل التحالف، قدمت الولايات المتحدة الدعم اللوجستي والاستخباراتي. قدمت الولايات المتحدة في البداية التزود بالوقود الجوي للحملة الجوية للتحالف، حيث يقدر محللون أن الحملة مسؤولة عن خسارة أكثر من 8000 ضحية من المدنيين بين عام 2015 وأواخر عام 2019. كما قدم أفراد الجيش الأمريكي معلومات استخبارية ومشورات استهدافية، بما في ذلك التوجيه الفني و”قائمة بعدم توجيه ضربات” للبنية التحتية المدنية، مع أن المسؤولين الأمريكيين يؤكدون أن الولايات المتحدة لم تشارك في اختيار الأهداف. وبالإضافة إلى الدعم اللوجستي المباشر للعمليات في اليمن، واصلت الولايات المتحدة أيضاً تزويد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بصفقات من مبيعات الأسلحة. ومن الناحية النظرية، كان من الممكن استخدام هذه الأسلحة في اليمن، على الرغم من وجود فجوة روتينية لعدة سنوات بين الانتهاء من بيع الأسلحة وتسليمها. غير أن هذه المبيعات أظهرت استمرار دعم الولايات المتحدة للتحالف. فبحلول نهاية إدارة أوباما، كانت الولايات المتحدة قد أنهت اتفاقيات بشأن أسلحة تزيد قيمتها عن 115 مليار دولار ودعم للسعودية، في حين أضافت إدارة ترامب حوالي 25 مليار دولار من المبيعات خلال أربع سنوات. إن إصرار إدارة ترامب على بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، على الرغم من معارضة الكونغرس الكبيرة، كجزء من جهود أوسع لتعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية، يشير إلى استمرار دعم الولايات المتحدة للتدخل في اليمن. ماذا يعني إنهاء الدعم الأمريكي؟ لم تقدم إدارة بايدن سوى القليل من التفاصيل حول ما الذي سيعنيه هذا الإعلان من الناحية العملية. وكانت الولايات المتحدة قد أنهت بالفعل عملية التزود بالوقود الجوي في أواخر عام 2018،  وأوضح متحدث باسم البنتاغون، يوم الجمعة، أن جميع المساعدات غير القتالية لعمليات التحالف، بما في ذلك “تقديم المعلومات الاستخباراتية وبعض النصائح والممارسات الفُضلى… قد تم إنهاؤها”. كما وعد بايدن بإنهاء “مبيعات الأسلحة ذات الصلة”، ولكن ليس من الواضح تماماً ماهي المبيعات المدرجة. في الأشهر الأخيرة، حاولت إدارة ترامب المُسارعة في إبرام العديد من صفقات الأسلحة، بما في ذلك بيع قنابل دقيقة التوجيه ومواد ذات صلة بقيمة 290 مليون دولار إلى المملكة العربية السعودية. وتفيد التقارير أن إدارة بايدن ستوقف هذا الاتفاق واتفاق سعودي آخر يتضمن أسلحة دقيقة التوجيه. لكن المبيعات الأخرى الأخيرة، لا سيما البيع المزمع لـ “إف-35” إلى الإمارات العربية المتحدة، أكثر غموضاً، حيث سحبت الإمارات معظم قواتها في اليمن في صيف عام 2019، على الرغم من أنها لا تزال مشاركة في النزاع من خلال شركائها المحليين. كما تعهد بايدن في خطابه في وزارة الخارجية الأميركية “بمساعدة المملكة العربية السعودية في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها”، وهو اقتراح قوي بأن تستمر مبيعات الأسلحة وأشكال المساعدة الأمنية الأخرى بشكل أو بآخر. كما تقدم الولايات المتحدة التدريب العسكري للسعودية، وتنشر الأفراد العسكريين والمعدات العسكرية في المملكة العربية السعودية، وتؤطرُ هذه المساعدات باعتبارها إجراءات دفاعية. وأوضحت الإدارة الأمريكية أن الإعلان لا يشمل العمليات ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وداعش. ماذا يحدث الآن؟ كان الإعلان عن توقف الولايات المتحدة عن دعم التحالف أمراً مهماً، لكن الأخبار الأخرى من الخطاب قد تكون على نفس القدر من الأهمية. حيث وعد بايدن بمضاعفة “دبلوماسيتنا لإنهاء الحرب في اليمن”، معلناً تعيين مبعوث لليمن، ودعم وقف إطلاق النار وعملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، والالتزام بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب اليمني. وهذا يشير إلى أن الإدارة تخطط لاستثمار مستمر في الدبلوماسية لإنهاء الحرب في اليمن. إن الاقرار بأن الحرب في اليمن “لا يمكن كسبها”، وهو ذلك النوع من الصراع الذي يفضل أن يُعالج من خلال الدبلوماسية، هو محور رئيسي في السياسة الأمريكية. كما قالت وزارة الخارجية إنها ستلغي تصنيف إدارة ترامب للحوثيين في اللحظة الأخيرة كمنظمة إرهابية أجنبية، وهو قرار أوضحه مسؤول أنه “يرجع بالكامل إلى العواقب الإنسانية” لهذا التصنيف. وكانت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية قد حذرت من أن هذا التصنيف قد يمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى الأشخاص الذين هم في حاجة ماسة إليها. سيكون استثمار الولايات المتحدة في الدبلوماسية مهماً لأن إنهاء الدعم الأمريكي لتدخل التحالف لن ينهي الحرب في اليمن. فقد جرى إضفاء الطابع المحلي على النزاع الذي بدأ بتنافس الجماعات المسلحة المحلية على الوصول إلى الحكم. إن إنهاء هذا الصراع يعتمد على قرارات الجماعات اليمنية المحلية، وما إذا كانت هذه الجماعات مُدرجة في مفاوضات السلام وكيفية إدراجها فيها. كما تشير أبحاثي حول الحروب الأهلية إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دوراً مهما في الإشراف على عملية السلام، لا سيما من خلال ممارسة النفوذ على شركائها الأمنيين الخليجيين للتوصل إلى شروط التسوية السلمية والالتزام بها. وسيكون هذا الدعم الدبلوماسي مهماً لإنهاء الحرب الأهلية في اليمن. ألكسندرا ستارك، باحثة رئيسية في مؤسسة أمريكا الجديدة. نشر هذا التقرير في صحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 8 فبراير 2021

<