يمنيات يكشفن عن تعرضهن “للتحرش الجنسي” (تحقيق خاص)

“نور” طالبة في مدينة تعز (وسط اليمن) تتهم كُثر بالتحرش بها في الجامعة والأسواق ومكان العمل، وسط تزايد لظاهرة التحرش الجنسي في البلاد خلال سنوات الحرب الماضية.

وحسب دراسات فإن قرابة 90% من النساء اليمنيات يتعرضن للتحرش في الشوارع والأسواق بشكل يومي، وسط اتهامات للمجتمع بالتواطئ إما بالمشاركة أو السخرية أو الصمت، وتحويل المرأة من الضحية إلى الجاني عبر تقاليد المجتمع وغيرها من الحجج المُصنعة مسبقاً.

ويقول مختصون إن حالات التحرش تضاعفت خلال الحرب المستمرة منذ ست سنوات وأدت إلى مقتل أكثر من 120 ألفاً بحسب بحوث ودراسات غير رسمية، ودفعت البلاد إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم حسب الأمم المتحدة.

“نور” وهو اسم مستعار للطالبة الجامعية التي تحدثت لـ”يمن مونيتور” تقول إن: استاذاً في الجامعة حاول مساومتها على شرفها، مقابل تفوقها في مادته إن هي لبت رغباته”.

وتضيف إنها “فضلت الصمت من إبلاغ العائلة بالحادثة حتى لا تمنعها من استكمال دراستها الجامعية”.

وتقول إنها اعتقدت مراراً أن ملابسها وراء تعرضها للتحرش، لكن صديقاتها وزميلاتها المنقبات يتعرضن لذات الأساليب من التحرش.

ليست الفتيات في الجامعة من يتعرضن للتحرش بل النساء الأخريات في العمل أو في الأسواق كما تقول “نور” ونساء أخريات لـ”يمن مونيتور”.

مواضيع مميزة من حول الشبكة

 BitcoinUp

صدمة في المطار! القبض على رجل بحوزته أكثر من 461,000 دولار

 E-energy

الكهربائيون مصدومون! طريقة سهلة لخفض فواتير الكهرباء بنسبة 50%

مقترحات من

وتقول نور إن “معظم نساء اليمن يمتلكن حكايات عن تعرضهن للتحرش، وعلى وجه التحديد النساء اللواتي يعملن، فكل امرأة تعمل خارج بيتها يتم التعامل معها على أنها صيد سهل وبعض ما يمكن شراؤه”.

وتشير إلى أنها “لا تستطيع الاصطدام مع الرجال خشية أن يفتري الأمن أو الناس على شرفها”، وتفضل أن تحبس “دموعها وتبتلع المواقف الصعبة”.في أحد أسواق صنعاء- انترنت

التحرش في العمل

وتشكو الكثير من العاملات في الوظائف العامة من حرمانهن من الترقيات الوظيفية والحوافز المالية، مقارنة بزملائهن الذكور، رغم تفوقهن على بعضهم علماً وخبرة، وترجع منيرة الجبلي، الموظفة في إحدى الدوائر الحكومية بمدينة عدن، إلى عدم ترقيتها لعدم خضوعها لرغبات رئيسها في العمل.

وتقول لـ”يمن مونيتور”: تعرضت للتحرش اللفظي بشكل كبير وتجاهلته حافظاً على سمعتي ولكن هذا كلفني الكثير بعملي”.

وأوضحت أن “التحرش جزء من حياتنا اليومية، لهذا اضطررنا على التكييف مع الصمت”.

ويقول أحمد القرشي مدير منظمة رعاية الطفل باليمن (سياج) إن الأطفال يتعرضون أيضاً للتحرش في أماكن أعمالهم مع زيادة كبيرة في عمالة الأطفال عمّا كانت عليه قبل الحرب التي تصاعدت عام 2014م.

وأضاف القرشي لـ”يمن مونيتور”: “وفي ظل معدلات النزوح التي تجاوزت ثلاثة ملايين -حسب تقارير دولية- غالبيتهم أطفال ونساء، وساهم ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وحالياً توقف صرف مرتبات وتأمينات موظفين الدولة المدنيين تحديداً، وفقدان آلاف الاسر اليمنية مصادر دخلها، وهذه العوامل اجبرت الكثير من الاطفال والنساء على الانخراط في اعمال تعرضهم الكثير منها للاستقلال كالتجنيد، واسوء اشكال عمالة الأطفال سعيا الى تحسين مستوى معيشتهم بما في ذلك الرضوخ للاستغلال الجنسي”.مدخل جامعة صنعاء- انترنت

خوف الفضيحة

مها عِون الناشطة الحقوقية في منظمة جنيف تقول لـ”يمن مونيتور”: “بأن ظاهره التحرش تعد من القضايا المنتشرة بالآونة الأخيرة في ظل غياب الوازع الديني وقلة الاعمال وارتفاع حدة الصراعات خاصة لدى الشباب”.

وقالت إن التحرش لا يستهدف فقط النساء بل “حتى الأطفال، والمراهقين”.

وأشارت عِون إلى أنه من ناحية التحرش بالنساء فإنه يجري “استغلال ظروفهن المعيشية والشخصية، إذ تبدأ الفتاة بالبحث عن عمل ليسد جوعها وعائلاتها، ويساعدها في مسيرة الحياة، فيتم استغلال ضعفها والتحرش بها سواء كان لفظيا او جسديا”.

وقالت إن التحرش بالنساء يؤدي إلى “أذى نفسي قد يصل إلى الاكتئاب، والوسواس القهري”.

توضح عون لـ”يمن مونيتور” أن المرأة “لا تستطيع أن تخبر أي شخص كون الموضوع يرجع ضدها، خاصة اذا كان المتحرش مسؤول ولديه علاقات”. مضيفة أن حدوث ذلك “يضيع حق المرأة، في ظل غياب القانون فلا يوجد أي قانون او مواد تعاقب عليها المتحرش بشكل صريح ولذلك لابد من تفعيل قانون التحرشات والأذى النفسي”.

ولفتت إلى أن عائلة المرأة التي تم التحرش بها “إذا علمت بتعرض ابنتها للتحرش فإنها تتكتم على الأمر، إذ تعتبره فضيحة لابنتهم، وبهذا يتم ضياع كل الحقوق، وعدم تشجيع بقية الأهالي على البوح خاصة أن المحاكم لا تأخذ بمجرى الامر وانصاف المظلوم”.

وتعتبر عِون الشخص المتحرش “مريض نفسي خاصة إذا كان شخصاً متعلماً وله قيمته في المجتمع”.

وخلصت عِون إلى أنه “لا يوجد رادع حقيقي لهذه الظاهرة، ولا يوجد أي جهة تقوم برصد احصائيات دقيقة، كون الموضوع حساس للجميع، بسبب العادات والتقاليد”.

وتشير إلى تقارير لمنظمات مجتمع مدني تعمل في ذات الجانب بأن “98.9 % من النساء اليمنيات يواجهن التحرش الجنسي، فيما إحدى المنظمات تناولت في دراسة ميدانية حول تحرش الذكور بالإناث وتوصلت إلى أن أكثر من (95 %) من النساء تعرضن للتحرش”.

من جهته يقول القرشي إن “اعتداءات التحرش الجنسي زاد أكثر من ثلاثة أضعاف، عمّا كانت عليه قبل الحرب منذ 2014”.فتيات في أحدى الجامعات بمدينة تعز- ارشيفية

مخاطر نفسية

من جهته يقول الطبيب النفسي طالب غشام الذي يعمل في مدينة تعز، التحرش ظاهرة كبيرة “ولا يستطيع أحد الحد منها حيث يكون التحرش بدون إرادة الفتاة فإن الأمر يصبح مطاردة، والإحساس بالمطاردة قد يسبب الانهيار العصبي، والاكتئاب الحاد خاصة إذا كانت المرأة في ظروف لا تسمح لها بمغادرة مكان العمل والدراسة، فإن بقيت تحت الضغط قد تصاب بانهيار”.

وأضاف في حديث لـ”يمن مونيتور”: إذا كان بإمكان المرأة المغادرة أو الهروب فإنها تصبح حذرة في علاقاتها، وقد تختار العزلة والوحدة دون مخالطة أحد، و ستظل التجربة السلبية راسخة بذهنها وبداخلها”.

ولفت إلى أن التجربة السلبية الراسخة في الذهن قد “يؤدي إلى ضعف نمو العقل، وقلة الأكل، والتبول ألا إرادي”.مقهى في مدينة مأرب- رويترز

القوانين وعادات المجتمع

ويعتبر “الإطار القانوني” غير الملائم أحد العوائق الأساسية للتعامل مع التحرش الجنسي إذ لا يوجد في اليمن قانون محدد لمعاقبة التحرش الجنسي ومع ذلك فإن هناك قانون لمعاقبة الفعل الفاضح. على النحو المبين في المادة 273 في قانون العقوبات اليمني، فإنه يتم تجريم أي عمل يسيء إلى الآداب العامة أو الشرف أو القيام بكشف المناطق الخاصة أو التحدث بطريقة مسيئة. كما أن المادة 274 من نفس القانون تنص على المعاقبة بالحبس لمدة لا تزيد عن 6 أشهر أو بدفع غرامة عن أي شخص يرتكب فعل فاضح يمكن رؤيته أو سماعه من قبل الآخرين. إن الثغرة في قانون العقوبات هذا أنه لا يعطي تعريفاً واضحاً لما يقصد به من مخالفة الآداب العامة. وهذا يجعله خاضعاً لفهم المنفذ لهذا القانون، مما قد يؤدي في بعض الأحيان إلى عواقب وخيمة للنساء.

كما أن ذلك يصطدم بعادات المجتمع ومخاوفه في ظل نقص الوعي الكافي بضرورة الإبلاغ عن جرائم التحرش،  وفي ذلك تقول “كوثر محمد” وهي محامية في مدينة تعز إن “هناك عديد قضايا رفعت أمام القضاء في مختلف محافظات الجمهورية من هذا النوع، والقضايا المعروضة أمام القضاء من هذا النوع كثيره وعديدة ولا أملك إحصائية دقيقة لها”.

وأضافت أن “التحرش أصبح ظاهرة متفشية بشكل مخيف وتطال الجميع ليس النساء فقط بل حتى الذكور بمختلف أعمارهم وهذا مؤشر خطير”.

وحول الأسباب تشير “محمد” في تصريح لـ”يمن مونيتور”: السبب الرئيس لهذه الظاهرة هو ضعف الإيمان من ناحية ومن ناحية اخرى الغزو الفكري وانتشار الأفكار الغربية الغريبة و الدخيلة على مجتمعاتنا الإسلامية، بالإضافة إلى الحروب التي دمرت النفسيات و أظهرت على السطح العديد من الشخصيات الإجرامية و غير السوية”.

وتوضح كوثر بأن “بالعمل على نشر التوعية حول هذا الجانب وتشديد العقوبات وعدم التراخي او التساهل مطلقاً من قبل القضاة في الأحكام الصادرة على مرتكبي هذه الأعمال الشنيعة”.

وقال قاضٍ في مدينة مأرب فضل عدم الكشف عن هويته لحساسية وظيفته إن “معظم القضايا لا تصل حتى للنيابة العامة لأسباب معظمها اجتماعية، وإذا ما وصلت فسيتم التحرك بدعوى جزائية بطلب من ولي أمر المعتدى عليه”.

وأضاف في حديث ل”يمن مونيتور” أن “عائلات الضحايا تخشى تداول الواقعة على ألسنة الناس والخوف من الفضيحة أمام مجتمع، سيجعل منه جانياً على الرغم من كونه مجنياً عليه و لا ذنب له، وخاصة في الأوساط التي يسيطر عليها الجهل والعادات والأعراف المتخلفة التي تجعل من الضحية مجرماً”.

ويشير القاضي إلى أن الكثير من القضايا “لا تصل إلى القضاء لأنها تحل ودياً عبر التحكيم القبلي، وبالتالي لا ينال المجرم العقاب الذي يستحقه فيرى الكثيرون في ذلك أسباباً كافية لعدم اللجوء للقضاء”.

ويرى كثيرون أن عدم اللجوء للقضاء يزيد التحرش الجنسي في البلاد. لكن أحمد القرشي مدير المنظمة المعنية بحماية الطفولة قال إن تفشي التحرش خلال سنوات الحرب يعود إلى “أسباب عديدة أهمها سقوط منظمة عدالة الأطفال، وعدم قيام مؤسسات العدالة في انفاذ القانون”.

وأشار إلى أنه “وفي ظل هذه الأوضاع فإن الغالبية الساحقة من الضحايا يتكتمون ولا يستطيعون الإفصاح والشكوى، ومن تجرأ منهم على الشكوى فإنه في الغالب لن يستطيع الوصول إلى العدالة نظراً لما لانهيار منظومة عدالة الاطفال ممثلة بالأمن القضاء والنيابة والمنظمات المتخصصة في حماية الطفل والمرأة”.

ولفت القرشي إلى أن معظم المنظمات المتخصصة بالطفل والمرأة أُجبرت على تعليق أنشطتها في الحماية “نظرا لعدم توفر الدعم خصوصا المواجهة الجرائم والاعتداءات التي تحدث في إطار الأسرة والمجتمع”.

<