تعرف على أكثر القطاعات التجارية العالمية تضررا بالتباطؤ في 2020

مع ضعف معدلات النمو في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، فإن احتمال حدوث ركود عالمي في 2020 بات خطرا واضحا وأكثر حضورا.

 

 

 

ويرى بعض الخبراء أن ذلك الوضع لديه جذور متشابكة في السلوك الاقتصادي الدولي، أبرزها بلا شك الحرب التجارية بين قطبي الاقتصاد العالمي الصين والولايات المتحدة، إضافة إلى حالة الارتباك المهيمنة على الاتحاد الأوروبي وبريطانيا نتيجة الضبابية المحيطة بمستقبل العلاقة بين الجانبين، وإذا أضفنا إلى ذلك التقلبات السائدة في سوق العملات، ومعدلات التضخم المنخفضة، فإن الانكماش المتوقع قد لا يكون مفاجئ لعديد من صناع القرار الاقتصادي على المستوى الدولي.

 

 

 

وتشير توقعات المؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي إلى أن معدل النمو العالمي انخفض من 3 في المائة العام الماضي إلى 2.3 في المائة هذا العام، وسط تقديرات بأن تلك المعدلات ستقل عن ذلك كثيرا في 2020.

 

 

 

لكن تلك الصورة الإجمالية للاقتصاد الكلي على المستوى الكوني، تطرح تساؤلات حول ما هي أكثر القطاعات، التي يتوقع أن تتضرر خلال الفترة المقبلة.

 

 

 

ورغم تباين وجهات نظر الاقتصاديين بهذا الشأن، إلا أن هناك اتفاقا عاما بأن قطاع التجارة الدولية سيكون الأسوأ أداء خلال العام المقبل، وربما يمتد الأداء السيئ لأعوام مقبلة إذا ما استمرت الحرب التجارية بين واشنطن وبكين أو اتسع نطاقها.

 

 

 

في هذا السياق، تعتقد الدكتورة لورين راسال أستاذة التجارة الدولية في جامعة لندن، أن أكثر القطاعات، التي ستشهد تراجعا خلال العام المقبل سيكون قطاع النقل البحري.

 

 

 

وتضيف لـ"الاقتصادية" أن "صناعة النقل البحري تلعب دور الشريان الرئيس، الذي يربط الأجزاء المختلفة للاقتصاد الدولي، ويمكن النظر إلى هذا القطاع باعتباره وكيل النمو الاقتصادي، والطلب على النقل البحري يتحرك إلى أعلى وأسفل مدفوعا بالنمو العالمي، ومن ثم، فإن تلك الصناعة التي تعد مسؤولة عن 80 في المائة من التجارة الدولية ستصاب بضرر بالغ نتيجة انكماش التجارة العالمية".

 

 

 

وتشير لورين إلي أنه توجد عوامل أخرى تضاف إلى التأثيرات السلبية للتباطؤ العالمي، معتبرة أن "الضغوط، التي فرضها تطبيق القوانين واللوائح ذات الصلة بالبيئة، تعزز حالة عدم اليقين، التي تواجه صناعة النقل البحري، ففي محاولة لتخفيف الأثر البيئي الناجم عن الغازات المنبعثة من السفن وحرق الوقود، الذي يحتوي على نسبة عالية من الكربون، فإن المنظمة البحرية الدولية ستبدأ الشهر المقبل تطبيق لوائح جديدة، وهي بلا شك مفيدة للبيئة، لكنها تؤدي إلى زيادة كبيرة في التكاليف، إذ سيكون على الشركات تجهيز السفن بأدوات تنظيف خاصة، أو البدء في حرق الوقود الذي يحتوي على نسبة أقل بكثير من الكربون، ولهذا يتوقع أن ترتفع أسعار الشحن، وسيتم نقل جزئي لتلك الزيادة لكل من المستهلك والمنتج، ما قد يؤدي إلى مزيد من انخفاض الطلب الدولي على السلع، ومن ثم تراجع الطلب على النقل البحري".

 

 

 

وتتفق تلك التوقعات مع تقرير صادر حديثا عن وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، يشير إلى أن قطاع الشحن البحري شهد نموا كبيرا في الأعوام الماضية، ما ساعد على تحسين توازن العرض والطلب، إلا أن المخاطر المحيطة بجانب الطلب في تصاعد.

 

 

 

ورغم أن تقرير "فيتش" يتوقع نمو القطاع 2.5 في المائة العام المقبل، فإنه أقل بكثير من متوسط النمو البالغ نحو 4.5 في المائة خلال الأعوام الثمانية الماضية.

 

 

 

وربما يبرز قطاع التعدين باعتباره ثاني أكثر القطاعات تضررا من الأوضاع الاقتصادية الحالية، ويشير لـ"الاقتصادية"، وايت جارفيس الخبير الاستثماري في مجال المعادن، إلى أن معظم الأشياء، التي يتم تصنيعها تبدأ بمواد خام مأخوذة من الأرض، ومن ثم، فإن التعدين يعد أمرا حيويا للمستقبل، إذ لا توجد عملية إنتاجية حقيقية دون تعدين على حد قوله.

 

 

 

ويبدو جارفيس متشائما نسبيا حول مستقبل قطاع التعدين خلال العام المقبل والأعوام التالية، رغم أن القطاع حقق هذا العام زيادة 8 في المائة، وهو ما يقدر بنحو 51 مليار دولار، إلا أن الانكماش الاقتصادي سيؤدي حتما إلى تراجع العمليات الإنتاجية ككل، وفي مقدمتها الاستخراج والتعدين.

 

 

 

ويرى جارفيس أن تزايد عمليات الاندماج بين شركات التعدين يعد مؤشرا على إدراك تلك الشركات بأن المستقبل غير إيجابي، ولن يمكنها مواجهته دون مزيد من زيادة رؤوس الأموال عبر الاندماج.

 

 

 

ويلفت الخبير الاستثماري في مجال المعادن، إلى عوامل أخرى تضع تساؤلات حول مستقبل قطاع التعدين، معتبرا أن "أسعار الأسهم والقيمة السوقية لا تعكس قوة شركات التعدين، إذ ستتواصل الفجوة المالية بين العوائد المحققة والقيمة السوقية للشركات".

 

 

 

ويحمل جارفيس مسؤولية ذلك لقناعة المستثمرين بأن التعدين صناعة غير آمنة بسبب الكوارث، ويضرب على ذلك مثالا بانهيار أحد السدود في البرازيل هذا العام، كما أن استبدال العمال بالتكنولوجيا يوجد أجواء غير ودية تجاه شركات التعدين، بأنها تعمل على زيادة معدلات البطالة.

 

 

 

ويؤكد جارفيس أن التغير المناخي يعد أحد العوامل الأخرى التي ستؤثر سلبا في أداء شركات التعدين، خاصة في ظل السمعة السيئة المرتبطة بالفحم كملوث للبيئة، ولهذا يتوقع أن يتراجع أداء شركات التعدين في الفترة المقبلة.

 

 

 

لكن عددا كبيرا من الاقتصاديين يعتقد أن صناعة السيارات والمعدات الهندسية ستكون أكثر القطاعات تضررا من تراجع معدلات النمو الاقتصادي واحتمالات الركود في العام المقبل، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى اعتماد هذا القطاع على الطلب المرتفع في الاقتصادات الناشئة وتحديدا الصين.

 

 

 

وأوضح لـ"الاقتصادية" المهندس إيلسون بونتون، رئيس قسم العلاقات الدولية في شركة فوكسهول، أنه "منذ 2018 والعام الحالي والطلب على السيارات في تراجع بسبب هبوط الطلب الصيني، نتيجة انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، ومن المتوقع أن يتواصل هذا الوضع حتى 2023، وقطاع السيارات ونتيجة التركيبة التكنولوجية له، فإن تعرضه للانكماش يعني تعرض عديد من القطاعات الهندسية الأخرى للتراجع أيضا".

 

 

 

وبالإضافة الى ذلك يشير بونتون، إلى بروز عدد من الظواهر غير التقليدية، التي تجعل مصنعي السيارات في العالم يشعرون بأن الأفق المستقبلي للصناعة مليء بالعثرات.

 

 

 

وينوه بونتون إلى أن "هناك مخاوف تثقل كاهل صناعة السيارات، فظهور تقنيات جديدة يمكن أن تغير علاقتنا بالمفهوم التقليدي لملكية السيارة بشكل جذري، فالمركبات دون سائق قد تدفع مزيدا من الناس إلى خيار الاستئجار، وهذا سيخفض الطلب بشكل كبير".

 

 

 

يضاف إلى هذا اعتقاد عديد من الخبراء في مجال صناعة السيارات، بأنه في حال خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الاستثمارات ستتراجع بشكل كبير في صناعة السيارات البريطانية، ومن ثم، فإن المشكلات الخاصة بالبيع، التي ستواجهها السيارات البريطانية في بلدان الاتحاد الأوروبي، والسيارات الألمانية في الصين ستنعكس بشكل جوهري على مسار الصناعة ككل وستؤدي بها إلى الركود.

 

 

 

ووسط تلك التوقعات السلبية تجاه النمو المستقبلي، يظل السؤال الأساسي ما وضع القطاع المالي وتحديدا القطاع المصرفي؟، هل سيشهد انكماشا ملحوظا أم أنه يتمتع بوضعية خاصة ستمكنه من الإفلات من دائرة الركود؟

 

 

 

هنا تتباين آراء الاقتصاديين بشدة حول وضعية القطاع المالي، فبينما يعتقد دنيس هازل الخبير المصرفي بأن القطاع البنكي سيتعرض لانكماش شديد وخسائر مالية ضخمة قد تعيد للأذهان أحداث الأزمة المالية لعام 2008، فإن آخرين ومن بينهم الدكتورة ليز بيندر، أستاذة النقود والبنوك في جامعة لندن، ترى أن القطاع المصرفي لن يتأثر، بل قد ترتفع معدلات الربحية لديه في ظل الأزمة الاقتصادية، وتبرر ذلك بأن عوامل الركود المتوقعة العام المقبل تختلف في جوهرها عما حدث عام 2008.

 

 

 

ويبني دنيس هازل المصرفي البريطاني وجهة نظره على أن الركود الاقتصادي يعني في الأساس تفادي المستثمرين توسيع أنشطتهم الاقتصادية والتجارية، ما يعني تراجع معدلات الاقتراض، وزيادة معدلات الادخار نتيجة انخفاض معدل الطلب الاستهلاكي، إلا أن البنوك لن تستطيع القيام بنشاطها الأساسي، الذي يحقق لها الأرباح وهو الإقراض.

 

 

 

في المقابل، لا تنفي الدكتورة ليز بيندر، هذا المنطق، لكنها ترى أن الطابع الجوهري للنظام المصرفي باعتباره البنية الأساسية للنظام الاقتصادي، والأداة الأساسية لتحقيق معدلات نمو مرتفعة عبر إعادة ضبط السياسات المالية، يعني أنه في أسوأ الأوضاع ستتأثر البنوك سلبيا لفترة محدودة للغاية، حتى تعيد ضبط إيقاعها مع التطورات المستجدة، لتعود مجددا إلى قيادة السوق، وفق آليات عمل النظام الرأسمالي.

<