الجحملية .. المستحيل الذي بدا ممكنا ..(تقرير)

إلى الشرق من مدينة تعز أخذتنا سيارة الأجرة كنا ندرك بناءً على تقارير متفرقة ، قرأناها في وسائل التواصل الإجتماعي، قبل عام ونيف أن قرارا كهذا بدأ مزحة ثم أصبح مغامرة أشبه بلعب "الغماية" مع الخطر ،اللعبة ذاتها التي ألفينا الأطفال يلعبونها في الصورة. كان سائق الأجرة الذي قال أن اسمه 'سلطان' متزوج وله خمسة أبناء. كان يربت على مخاوفنا مطمئناً بأن الأمور هناك لم تعد كما كانت ، وبتَعِزيّة خالصة يقول مقهقهاً:|" لو وقع بكم شيء لا تحاسبوناش حق المشوار|. الجحميلة تقترب منا كثيراً ، الأبنية المنكفئة و الأسطح المنطبقة على الأرض والصمت المريب يلمعون في البعيد،آمنا أن لا أحد هناك ، كانت لصقات عاكسة تغلف زجاجات نوافذ سيارة الأجرة التي نستقلها وكان خلف اللاصق اشياء اخرى غير متوقعة. ما أن وضع عامر قدمه على الأرض مترجلا من السيارة ومن عنقه تتدلى كاميرا كانون6 حتى تفاجأنا بسيل من الأطفال مشكلين حلقة حوله يودون الحصول على صور لهم. متجهين نحو عدسة الكاميرا كان الأطفال يطوحون الهواء بسواعدهم المفرودة ويفارقون بين أصابع كفهم السبابة والوسطى بينما بقية الأنامل مضمومة على راحة الكف ، عندما سألناهم ماذا تعني تلك الإشارة لم يكونوا على علم سوى أنهم يقلدون أناسا رأوهم على شاشات التلفاز . كان في استقبالنا أيضا رجل خمسيني بلحية بيضاء كثة يخالطها بعض السواد . عندما سألناه عن حاله أجاب: كما ترى يا ولدي الحمدلله على نعمة العافية". في خضم حديثنا أيضا أخبرنا أنه واحد من فليلين ظلوا في هذا المكان منذ بداية حرب الحوثيين على المدينة ، قال أنها فترة موت مخيفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وبعد تحرير المنطقة بقيت أيضا مطية لحرب أخرى ( الخوف، الوحدة ، الضجر ، النهب والسلب، المسحلين الذين لا نعرفهم بأشكال غريبة ). قال الرجل أن كل هذا بدأ في التغير مع بدء عمل السلطة المحلية بعد تعيين محافظ جديد .. حملات أمنية أطلقها المحافظ في شهر مايو من هذا العام رافقها استعادة معظم المؤسسات الموجودة في المنطقة المعروفة بالمربع الشرقي وانتشار لقوات الأمن الخاص ونتج عنها عودة غالبية السكان النازحين إلى المكان وفتحت المحلات التجارية ومحلات أخرى اُنشئت حديثا ومن ثم أصبح المكان أشبه بورشة عمل فور توجيه المحافظ أمين أحمد محمود بسرعة ترميم المؤسسات الحكومية الكائنة في هذا المربع ( مبنى إدارة الأمن، الضرائب، الإتصالات، مبنى المالية ، مبنى البريد) ومنشآت أخرى سردها الرجل. كان الجميع تقريبا هناك يثنون بطريقة او باخرى على محافظ المحافظة ، رغم أنه قلما تجد رجلا يمنيا متصالحا مع حكوماته ومسؤوليه وخصوصا في تعز ،غير أن الدولة الآن كما يقولون هي خيارهم الوحيد حين تتأرجح الخيارات الأخرى بين ملشنة وانقلاب غير أن الرجل (المحافظ) في الحقيقة استطاع إحداث نقلة نوعية جيدة في المدينة والتي تتبدى شاخصة أمامك ما أن ننتقل من وجهة إلى أخرى في المدينة . ونحن نتمشى في المربع الشرقي من المدينة كنا نتعجب لأفواج الأطفال التي كانت تنبع من الأزقة المتهالكة والأبنية المتصدعة. كان كل طفل تلفت انتباهه عدسة الكاميرا تنبسط عضلات وجهه وتتسع راشحة بابتسامة تبدأ من عضلات عينيه ولمعان حدقاتهما لتفيض بإطراد على كامل وجهه. كانت الوجوه أشبه بمدن ، كل وجه يشبه مدينة نعرفها وأخرى لا نعرفها لكنها تشبه مدينة فحسب وبحدود مدينة . الأطفال يتجمعون أمام عدسة الكاميرا يشمرون عن سواعدهم مطلقين سبابتهم والوسطى في الأفق ويبتسمون ، لفتت انتباهنا طفلة في الزاوية شكلت بكلا كفيها قوسين من سبابتها والإبهام ثم قربت ذراعيها من بعض لترسم شكلا للقلب . عندما سألناها عن معنى ما رسمت اكتفت بإبتسامة متوردة ومن ثم أطلقت جديلتها للريح وواصلت لعبتها مع اقرانها الصغار بعد ما كادت الطفولة ان تنسى حقها في البهجة واللعب.
<