نوفمبر..من الأغنية إلى الانتصار

الثلاثون من نوفمبر تاريخ ذكرى عظيمة في اليمن جنوبا، تمثل بعيد الاستقلال وجلاء آخر جندي بريطاني من الجغرافية اليمنية الجنوبية، يُحتفل به كل عام في مناسبة وطنية من العام 1963م، بعد عقود من الاحتلال البريطانية، عُملت فيه عدن كجزء من الهند الإنكليزية، إلى أن ضمها واعتبارها مستعمرة رئيسة تابعة للحكم البريطاني.

بدأ عهد احتلال المملكة البريطانية لليمن في عام 1839م، من خلال إنزال شركة الهند الشرقية مُشاة بحرية  إلى سواحل مدينة عدن، ومثلها في كلٍ من حضرمَوْت وأبين وشبوة، عمل البريطانيون تنفيذ سياسات تعسفية، وجذب وشراء ولاءات من أطراف جنوبية، فيما اختلفت نزاعات بين أطراف أخرى لا تدين لها بالولاء، وجراء ممارسات الاحتلال البريطاني المتزايدة، بدأت تظهر مقاومة شعبية، علت من خلالها أصوات تطالب بالاستقلال.


 
سلطة الوجدان..

إلى جانب تأثر أهالي عدن بالخطابات الثورية التي كان يُطلقها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، أشعل الفن والطرب وهج الثوار وضاعف من أبواب الجحيم ضد المستعمر، كانت الأغاني الوطنية واللحجية التي كانت تبثها إذاعة القاهرة، سببت في تنامي الحس القومي والوجداني الشاعري، وهي ما زادت من وتيرة المقاومة الشعبية القائمة على سلطة الوجدان والشاعرية.

شكلت الأغنية الوطنية بكل أنواعها سلاحا حادا أكثر من الذخيرة الحية حينها، حيث كان الفن والطرب الشعبي الذي صاحب المقاومة الشعبية عامل أساسي في تحريك الذات المقاومة، والتي كان لمجموعة من الفنانين اليمنيين الحضور الكبير والرائد في خلق هذا الزخم الثوري، أبرزهم  الموسيقار الراحل أحمد قاسم، وآخرين كثر مثل الفنان القدير محمد مرشد ناجي والفنان سالم أحمد بامدهف، المغترب منذ سبعينيات القرن العشرين في الإمارات العربية المتحدة، حيث أعطوا إلى جانب كوكبة من الشعراء المقاومة صمودا أسطوريا مضى إلى النصر وتحقيق الجلاء.

وشدا  هؤلاء وكثير من الفنانين بأجمل الأغاني الوطنية التي ملأت نفوس الشعب عزة وأملا، ولمست أوتار قلوبهم، ومازالت تسكن وجدانهم حتى يومنا هذا.

مشينا على خط نار القتال

على كل جسر منيع خطونا

نجوب دروب الصراع الرهيب

ويصحبنا النصر.. أنا مضينا

بلونا.. فيا للبطولات منا

وكل المعارك.. دلت علينا

ومضات الانتصار.

وعلى نهج ومسار هذه القصيدة السابقة المغناة صنع الأبطال انتصاراتهم، وصاغوا ملامحهم العظيمة، وصار التغني بالأمجاد الوطنية ضرورة روحية ونفسية توجها مجموعة من الفنانين نذكر منهم : محمد محسن عطروش، المرحوم محمد سعد عبدالله، المرحوم، محمد صالح عزاني، المرحوم، محمد عبده زيدي، ومحمد سعيد منصر، ومن حضرموت كرامة سعيد مرسال الذي تغنى بقصيدة الشاعر الذي مات في الاغتراب الشيخ عبدالله أحمد التاجي لأغنية «لبيك ياموطني لبيك ياسكني».

الشعب حين يغني الثورة..

ملاحم غنائية عديدة سهلت المسار الثوري، وجعلت روح الثورة تجري في دماء وأعماق الشعب، وقادته إلى الانتصار الكبير  في يوم الثلاثين من نوفمبر 1967م وفي هذا المقام تقول أحد الملاحم  الثورية:

وهكذا تفجر البركان في «ردفان»

ورددت هديره الجبال في «شمسان»

وانطلقت ثورتنا ماردة النيران

تضيء من شرارها حرية الأوطان

إلى أن يقول :

وهكذا تبددا

عهد من الطغيان لن يجددا

وحلقت على المدى

ثورتنا.. تهتف فينا أبدا

ياعيدنا المخلدا.. غرد

فان الكون من حولي طليقاً غردا

غرد على الأفنان في ملاعب الجنان

الشعب لن يستعبدا

قد نال حريته بالدم والنيران

وقتل القرصان.

وعلى صدر عدنا تغنى الشعب بالثورة إلى أن انتصر، منذ أن ثار في 14 أكتوبر 1963م واستمرار كفاحه، إلى أن أجبر المحتل على الجلاء كم بشر الشاعر مسرور مبروك بقوله “خرج البريطاني بالصميل، ومثلما نظم الشاعر اللحجي حمود نعمان (أبو كدرة) نشيدا يحتفي بعيد الجلاء، وضع له المطرب سعودي أحمد صالح لحنا بديعا:

حمود نعمانيا عيد ذكرى الجلاء الأكبر  *  يا يـــــوم من شهر نوفمبر

من صنع أفكار ثورية

يوم الجـــــلاء بالهنـاء نوّر  *  وبالأمــــــل والمُنى أزهـر

من وحي فكرة مثالية

آمن بها الشعب يــــوم فجّر  *  وســـار في دربها الأجـدر

على انتصارات قومية

أيام الانكليز

سعودي والدميحيا يوم فرحـة ومن بــدري  *  هتفت لك في المـدى عمري

من قلبك خالص وحنيّة

غنيت لك دوب من شعري  *  كما يغني الهـوى العــــذري

يا بهجة الشعب مرئية

يا يــوم مرموق في القمة  *  وفي السما في ذرى النجمه

ولك أساسات صخرية.

نغم ووجدان خاص تميزت به المرحلة الفنية الغنائية التي صاحبة سنوات النضال الشعبي ضد المستعمر البريطاني جنوب البلاد، حيث مثلت روح وذائقة شعبية عامة، فتحت أبواب الجحيم ضد المستعمر، وسارعت من زواله واندحاره مرغما، حيث لم يقتصر النضال على البندقية والاستبسال الجسدي فحسب، وإنما خاض المئات من الفنانين والشعراء والمبدعين معاركا موازية ومصاحبة لمسيرة الكفاح الطويلة ضد المستعمر، تخللت أجواء وهتافات وطرب حماسي، سيظل محفور إلى الأبد في ذاكرة وذات الأجيال المتعاقبة.

حضور ملحمي..

لحظة تاريخية خالدة سجلتها الكثير من الأغاني والقصائد نستعرض بعضا منها ” يا مزهري الحزين ” للشاعر لطفي جعفر أمان:

يا مزهري الحزين

من يرعش الحنين ؟

إلى ملاعب الصبا وحبنا الدفين

هناك حيث رفرفت

على جناح لهونا

أعذب ساعات السنين

يا مزهري الحزين

الذكريات ..الذكريات

تعيدني في مركب الأحلام للحياة

لنشوة الضياء في مواسم الزهور

يستل من شفاهها الرحيق والعطور

وبعد هذا كله

في صحوة الحقيقة

ينتفض الواقع في دقيقه

يهزني

ويشد أوتاري إلى آباري العميقة

يشدها يجذب منها ثورتي العريقة

ويغرق الأوهام من مشاعري الرقيقة

ويخلق الإنسان مني وثبة وقدره

عواصفا وثوره

هنا ..هنا

إذ زمجرت رياحنا الحمراء

تقتلع القصور من منابت الثراء

وتزرع الضياء

وتغدق الغداء والكساء والدواء

على الذين آمنوا بأنهم أحياء وخيرة الأحياء

في الحقل

في المصنع وفي كل بناء

يا مزهري الحزين

يا مزهري الضعيف

ما عاد شعبي ينسج الأوهام في لحنٍ سخيف

عن قيس ليلى.. روميو جوليت

أسماء كثيره

دبت دبيب النحل في أسفارنا المثيرة

دبت بنا بحمولة الأفيون في سفن خطيرة

كي توهم الدنيا بأننا أمة الوهم الحقيرة

لكننا يا مزهري المحزون يا ضعيف

نبني نحيلك أنت من وترٍ حريريٍ رهيف

مستضعف باك

إلى وثب إلى ضربٍ عنيف

كي يشهد المستعمرون بأننا حقًا نخيف

لا أن نخاف

أو أن نموت مع الضعاف

اسمع إذًا مني

ووقع لحن قصتي الجديد

وابعث به في مركب الشمس العتيدة للخلود

اسمع

أنا من قبل قرنٍ أو يزيد

قرنٍ وربع القرن بل أكثر من عمري المديد

كانت بلادي هذه ملكي أنا

ملكي أنا

خيراتها مني ومن خيراتها أحيا أنا

كانت وما زالت

وهذه قصتي فانصت لنا

في ليلةٍ مسعورةٍ موتورة الظلماء

أوفت إلى شواطئي مراكبُ الأعداء

يقودها هنس انجليزيٌ حقير

يقرصن البحر شهى

وجيفةٌ من الضمير

هذا الحقير

أرسى هنا

ومد عينيه إلينا في اشتهاء

ونسج المزاعم النكراء في دهاء

مدعيًا أن جدودي هاجموا سفائنه

ونهبوا خزائنه

وأننا بكلمةٍ غريبه قراصنة

تصوروا نحن إذًا قراصنة !

وهكذا انداح له الغزو إلى أقصى الحدود

ودنس البلاد بالجنود والنقود

وبذر القلاقل

وفرق القبائل

ولملم الدجى على أطرافهِ يصول

يمد من أطماعه مخالبَ المغول

لكننا على المدى منذ احتلال أرضنا كنا يدا

يدًا تصافح الرفيق في الكفاح لا العدا

وقطعة الرغيف

والمبدأ الشريف

زادان كانا كافيين للبقاء

فنحن شعبٌ لا ينالُ الضيمُ منا ما يشاء

هاماتنا فيها من الشمس بريقُ الكبرياء

لا نعرف الدموع إلا وأن نحيلها دماء

تعلوا على ضفافها بواسق الاباء

وكلما مرت بنا أعومنا الطويلة

نغرس من ثورتنا بذورنا الأصيلة

في كل جيلٍ صاعدٍ يؤمن بالضياء

بالأرض بالمعول بالسلاح بالبناء

ومن هنا تصلّبت عقيدة السلاح

ونحن منذ خلقنا نعرف ما معنى السلاح

نعرفه ونرضع الأطفال منه للكفاح

ونصنع الرصاصَ من مرارة الألم

وننتشي نرتقبُ الفجرَ الجديدَ في شمم

حتى بيوتنا التي طلاؤها الغبار حيث عم

ترمي على سيمائنا ظلالها وتبتسم

وانتفض الزمان

دقت الساعة الأخيرة

فاندفعت جموعنا غفيرةً ..غفيرة

تهز معجزاتها في روعة المسيرة

وجلجلت ثورتنا تهيبُ بالأبطال

الزحفُ يا رجال

الزحفُ والنضال

فكلنا حرية تحن للقتال

وهكذا تفجّر البركان في ردفان

ورددت هديره الجبالُ في شمسان

وانطلقت ثورتنا ماردةً النيران

تضيء من شرارها حرية الاوطان

وتقصف العروشَ في معاقل الطغيان

وتدفعُ الجياعً في مسيرة الإنسان

يشدهم للشمس نصرٌ يبهرُ الزمان

وهكذا تبددا

عهدٌ من الطغيان لن يُجددا

وحلّقت على المدى

ثورتنا تهتف فينا أبدا

يا عيدنا المخلدا

غرّد

فإن الكونَ من حولي طليقًا غردا

غرّد على الافنانِ في ملاعب الجنان

الشعبُ لن يستعبدا

قد نال حريته بالدم والنيران

وقتلَ القرصان.

وسجلت هذه القصيدة ملحمة تاريخية ربطة الماضي بالحاضر كشهادة ووثيقة خالدة للأجيال.

وينتقل لطفي جعفر أمان بين الأحداث ساردا بالقول:

فاندفعت جموعنا غفيرة ..غفيرة

تهز معجزاتها في روعة المسيرة

وجلجلت ثورتنا تهيب بالأبطال

الزحف يا رجال..

ويستقبل جعفر يوم الاستقلال بإشراق نور لا يتبدد تحت عنوان آخر  “الانتصار الكبير”:

على أرضنا .. بعد طول الكفاح..

تجلى الصباح .. لأول مرة

وطار الفضاء طليقاً رحيباً

بأجنحة النور ينساب ثره

وقبّلت الشمسُ سمرَ الجباه

وقد عقدوا النصرَ من بعد ثوره

وغنى لنا مهرجانُ الزمان

بأعياد وحدتنا المستقرة

وأقبل يزهو ربيعُ الخلود

وموكبُ ثورتنا الضخمُ إثره

تزّين إكليله ألفُ زهره

وينشر من دمنا الحر عطرَه

ويرسم فوق اللواء الخفوق

حروفاً تضيءُ.. لأول مره

بلادي حره..

تحرر شعبي.. ففي كل بيتٍ

ترفُ نجومٌ ويورقُ بدر

وفوق شواطئنا الراقصات

مع النور .. فاض من الخلد فجرُ

وضم مراعينا والحقولَ

جناحٌ غمير العبير أغرُّ

وحتى الشياهُ تكادُ تطيرُ

وتشدو بحريةٍ .. لا تقرُ

وحتى الصحاري كأن الربيعَ

حواها وزينها فهي خضرُ

فضائي حرٌ.. وطيري حرُ

وقلبي حرٌ .. وطيري حرُ

وقلبي حرٌ.. وشعبي حرُ

أجلْ .. قد صحونا .. لأولِ مرة

لنحيا الحياةَ ، لأول مره

بلادي حره

تنفستُ .. اسحبُ كل دمي

كأني أشقُ من الصخر نهرا

كأني من قبلُ ما كنتُ شيئاً

ولا عشتُ عمراً.. ولا قلتُ شعرا

بلادي.. ضفائرها الألقاتُ

توزعُ فوق المرابعِ فجرا

بأسنى الزنابق تنضحُ عطرا

وأطفالنا أغنياتٌ تخفُ

إلى غدها .. وهو يفترُ بشرا

لقد أنجب الدهرُ أعياده

بثورتنا .. فتنفستُ حرا

كأني أعيشُ لأول مره

فتهتفُ روحي.. لأول مره

بلادي حره

لك المجدُ “ردفان” كم ثائرٍ

قذفتَ به لهباً يهدرُ

يطيرُ على صهوات المنايا

وينتزعُ النصرَ.. لا يقهرُ

فأين القلاعُ مدويةَ

تصولُ.. وتردي وتستهترُ؟

وأين العروشُ مفخمةٌ؟

وأين من الشعب مستعمرُ؟

جحافلُهُ بل شياطينهُ

كما قيل- حمرُ- ألا فاسخروا

لقد هبّ ردفانُ في ثورةٍ

يخلدها عيدنا الأكبرُ

وينشرها فوق كل الجنوب

ضياءً سخياً.. لأول مره

بلادي حره..

وفي قصيدة أخرى يخاطب المستعمر بالقول:

طال يا راجل سكونك عندنا

قرن والثاني انتصف وانته هنا

أيش ننسب لك؟ وشو تقرب لنا

هل أخونا أنت أو بن عمنا؟

ليت إنك عربي مثلنا

بانغض الطرف عنك كلنا

أنت أصلك تختلف عن أصلنا

ثم لغوك يختلف عن لغونا

بل ودينك يختلف عن ديننا

في الوطن هل أنت من جيراننا

هل حدودك لاصقة في حدنا

أيش جابك عندنا ..كيه قل لنا

بعد شاسع لا جوار بيننا

أين “بحر المانش” من حقاتنا” !؟

وتتسم قصائده التي اختيرت بعناية ولغة بسيطة ومفردات عامية ،تتخللها ألفاظ فصحى، المراد منها العوام من الشعب الذي كان يحمل على عاتقه مهمة التحرير والمقاومة.

ومثلها بالبساطة والروعة تتجلى قصيدة للشاعر أحمد عمر مكرش:

بَرَّعْ مِن أقطار الجنوب المحمية

بَرَّعْ بلاد الغرب يا نُجَّاسها

لابُد من دق العجوز الكاهنة

دق التلف حتى توطي رأسها.

وأخرى قريبة لذات القصيدة ألهبت الجماهير وخلقت في دواخلهم حماسا كبيرا لمحمد محسن عطروش، والتي تغنى بها الشعب وصارت تجري على كل الألسانة:

برّع يا استعمار برّع

ولى الليل ليضويك التيار

تيار الحرية.. تيار القومية

برّع يا استعمار من أرض الأحرار

تياري الجبار خلى شعبي ثار

طيارتك يا استعمار ما تفزعني

وأنا ثابت والأنوار تضويني

ما ظلمك يا قرصان أيقظني

ولا سحرك بعد اليوم يعنيني

برّع أقولك برع شعبي ما بيذعن

برّع وارجع بلدك لندن.

<