اليمن وبدائل الحلفاء..تشكيل طرف ثالث خلفا لــ صالح بدأت مؤشراته بتعيين (معين – المقدشي – النخعي)

تحولات متعددة على كافة المسارات السياسية والعسكرية فيما يتعلق باليمن والمنطقة ككل، المجتمع الدولي (الأمم المتحدة) بكبرى مكونها الرفيع هو الطرف الراعي لكل هذه التداعيات؛ بل المنحاز عنوة لطرف الأزمة وسببها الرئيس المتمثل بميلشيا الحوثي الانقلابية، إذ يعتبرها (الأمم المتحدة) مراقبون شريكا رسميا كما هو جليا في مواقفها الدائمة، وشدتها وحزمها العلني عند كل منعطف وهاوية وشيكة للحوثيين أمام قوات الشرعية المدعومة من قوات التحالف العربي. في الربع الأول من العام 2012م أثناء ثورة 11 فبراير التي خرجت للمطالبة بإسقاط نظام صالح، أطلقت السعودية مع دول الخليج مبادرة، لحل الأزمة القائمة آنذاك، واستطاعت السعودية بقبول أملس من المجتمع الدولي، كتوصيف تقريبي للمشهد الذي كان على وشك الذهاب إلى حرب أهلية كما روج لها طرف النظام الحاكم وقتها، استطاعت دول الخليج في انتزاع فتيل الحرب، والضغط على صالح بالتنحي ومنحه وأقاربه وأركان نظامه وقيادات حزبه حصانة دولية من المحاسبة والمحاكمة، لتمضي بعدها الأمور وفقا للمبادرة الخليجية إلى حوار وطني شامل لكافة الأطراف والمكونات السياسية والاجتماعية من بينها الحوثي الذي لم يكن بعد يشكل قوة وحضورا كما هو حاصل حاليا. ليلتقي الجميع على طاولة حوار محلية تحت مظلة مرحلة انتقالية يقوده عبده ربه منصور هادي، عدة أشهر من عمر مؤتمر الحوار الوطني الذي خرج بوثيقة تاريخية تحتوي على نظام ولوائح شاملة راعت في صياغته كل الاحتمالات ووضعت كل اعتبارات الحاضر والمستقبل، وفي الوقت الذي كانت على وشك بدء التنفيذ، ولم يتبق حينها إلا إتمام المسودة الأخيرة للدستور، وقبل خروجها للنور يحدث ما لم يكن بالحسبان، يخرج الحوثيون ومعهم صالح بانقلاب علني على السلطة الشرعية، وكل ذلك لوقف تنفيذ وثيقة الحوار الوطني الذي كانوا هم من المكونات والأطراف التي شاركت في إعدادها، حيث وجدوا أنفسهم خارج رأس هرم الحكم والاستحواذ مستقبلا، لتقودهم طموحاتهم إلى ما هو أبعد ومليء بالدمار والدموية، معلنين في 21 سبتمبر من العام 2014م انقلابهم رسميا وتشكيل ما يسمى بالمجلس السياسي. وفي بادي الأمر لم يكن لدى ميلشيا الحوثي ظهر وأياد وقنوات تواصل مع الخارج، حيث كانت لا تشكل أي قوة على الأرض دون صالح وحزبه والذي كان رغم تنحيه عن السلطة ما يزال متحكما ومسيطرا على القوة العسكرية وتشكيلاتها، وولاءات معظم وأهم قيادات هذه التشكيلات والوحدات العسكرية النظامية، إذ ساعد هذا في إخفاق السلطة الشرعية حينها، وتمكن قوى الانقلاب من السيطرة على العاصمة صنعاء، ومن ثم اجتياح بقية مناطق ومحافظات اليمن، عدا بعض من المناطق التي كانت بمثابة معجزة، تمكنت من خلالها السلطة الشرعية بدء لملمت واستعادة حضورها وتشكيلاتها العسكرية من الصفر ومن ثم خوض مسار صعب. وفي غمار ذلك المسار الصعب استطاعت السلطة الشرعية وبدعم من قوات التحالف العربي الذي أعلن عنه عقب الانقلاب بأيام، من العودة ومقارعة ووقف هذا الانقلاب، لتمضي بعدها الأمور وتتسع المعركة وعمليات الاستعادة للمناطق والمحافظات اليمنية بقيادة عسكرية كلفة إليها هذه المهمة أهمها اللواء الركن محمد علي المقدشي وآخرين إلى جانبه، والذي كان بالمقابل أطراف الانقلاب يقومون بتدمير ونهب مؤسسات الدولة، والعبث بممتلكاتها ومقدراتها وتحويلها إلى مصادر دخل خاص لهم، ولكن هذا الطموح لم يظل طويلا، إذ تمكنت السلطة الشرعية في غضون عام من تاريخ الانقلاب استعادة مساحات واسعة وهامة إلى أن شملت السيطرة والاستعادة نسبة 70% أهمها المنافذ البحرية والدولية التي تعد مصدر الدعم الرئيس للانقلاب باستقبال الأسلحة والخبراء عبرها. وفي ظل تحرك السلطة الشرعية وقواتها المشكلة من نقطة الصفر (الجيش الوطني)، تتساقط أوراق الانقلاب واحدة تلو أخرى، بإعلان قيادات عسكرية كبيرة وأخرى سياسية الالتحاق بالسلطة الشرعية، وهو ما أثر في عمر وتواجد قوى الانقلاب على أرض الواقع، بالإضافة إلى بدء الخلافات الحادة بين شركاء الانقلاب (الحوثيون – صالح)، وخروج الأخير معلنا وداعيا أنصاره من حزب المؤتمر الشعبي العام وما تبقى من التشكيلات العسكرية التي تدين له بالولاء، للوقوف ضد ما أسماها حينها بالرجعيين والكهنوتيين، ومقاتلتهم ورفضهم لتواجدهم، ليدخل المشهد اليمني في مرحلة ومنعطف جديد حرك ركود العملية السياسية محليا ودوليا، لكن ذلك لم يطول، إذ عملت ميلشيا الحوثي الانقلابية خلال سنوات الانقلاب من سحب قبضة صالح على مصادر القوة في التشكيلات العسكرية، وهرم وهيكل السلطة والنفوذ القبلي أيضا، وإحكام قبضتها وسطوها عليها وجعل صالح عاجزا تماما ووحيدا، بعد أن مكنهم من تحقيق طموحاتهم وآمالهم العريضات باستعادة أمجادهم الأمامية الرجعية الكهنوتية. 72 ساعة هي الفترة التي أعلن فيها صالح الخروج ضد الحوثيين، وهي الخلاصة ذاتها لمعركة عنيفة انتهت بمقتله، مع قيادات أخرى في حزبه، وفرار من استطاع منهم إلى مناطق سيطرة السلطة الشرعية، لتفقد بعدها الأطراف الدولية ما كانت ترنوا إليه من صالح وحزبه باعتباره طرف قوي لترجيح الميزان، وشريك حاضر في معادلة المستقبل بالمنطقة، خصوصا وجميع الأنظار تتجه صوب إنهاء حضور الأخوان المسلمين المتمثل في اليمن بحزب الإصلاح السياسي الذي يمثل حضوره الشعبي هاجس مقلق وخطر بالنسبة للأطراف الإقليمية والدولية. أحدث مقتل صالح خلط في الأوراق على كافة المسارات والمستويات، إذ ظهر المجتمع الدولي في موضع المخدر موضعين، فيما وجدت السعودية ودول الخليج نفسها أمام حيرة كبيرة، بعد خسارتها للرهان وحليفها المستقبلي (صالح). وبعد طي صفحة صالح، اختار المجتمع الدولي مسارا جديدا بما يراه ملائم لمصالحه ومكاسبه، سوى كانت قصيرة المدى أو طويلة، إذ جعل ميلشيا الحوثي الانقلابية موضع اهتمامه البالغ، ومنحها عمرا طويلا عبر وسائله وأجندته (المنظمات الدولية – وحسابات ومراعاة حصص الإشراف بين الدول الكبرى)، واستخدام الانحياز والعلاقة العكسية مع الميلشيا لابتزاز السعودية التي تقود التحالف العربي، والتي تملك أكبر مخزون نفطي عالمي. فيما السعودية ومعها دولة الإمارات العربية المتحدة اتخذتا مسارا غير واضح بعد، وألقت نتائج ومهمة هذا المخاض والتغيرات المفاجئة ورؤية وتحولات وظروف تشكلها، عسكريا وسياسيا، وووالخ، على القيادة السياسية والعسكرية الحالية، وهو ما دفع بالقيادة السياسية متمثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي إلى تلبية آمال المملكة العربية السعودية باتخاذ تغييرات كبيرة في السلطة، شملت أهم المناصب السيادية، وكان من الضروري تشكيل صف قيادي تكون السعودية في رضا عنه، ويعد البديل الطارئ لشريكهم الذي خسروه (صالح)، ولإيضاح الأمر أكثر وبشكل أدق، أن يكون هذا الصف القيادي السياسي والعسكري طرف ثالث، من خارج دائرة حزب الإصلاح السياسي في اليمن، وهو ما بدأ فعليا يتشكل، بالقرارات الجمهورية السيادية الأخيرة. ومثلت هذه البداية الواضحة لهذا الصف والشريك البديل لصالح بالنسبة للسعودية، في تعيين الرئيس عبدربه منصور هادي رئيس وزراء معين عبدالملك، والذي تقود كل المؤشرات أنه من الجانب السعودي مطروحا، بالإضافة إلى التعيينات التي لحقت بعدها بأسابيع تمثلت بتعيين وزير للدفاع محمد علي المقدشي، ورئيس هيئة أركان عامة جديد ومناصب أخرى في المؤسسة العسكرية، وما يزال التغيير جار، وفي انتظار صدور قرارات جمهورية لاستكمال تشكيل هذا الصف القيادي الحاكم، الشريك البديل للمستقبل السعودي القريب مع اليمن. ومن خلال الأسماء التي تم اختيارها لهذا التشكيل الجديد ومن خلال مراجعة خلفية الأسماء المختارة لهذه المهمة، يظهر جليا حقيقة ومؤشرات ضرورة إنشاءه، فمن خلال النظر إلى القائمة التي بصدد استكمالها مع الأيام، أن جميع من فيها لا ينحازون إلا للمهمة التي تريد السعودية أن تكون، إذ أن هؤلاء المعينين مؤخرا يقفون في المنتصف على كل شيء وطرف ومكون، وهو ما يجعل المملكة العربية السعودية في موضع اطمئنان وأن ظهر مؤقتا ومرحليا، الأهم في الأمر أنه يملئ الفراغ الذي خلفه مستقبل الشراكة مع صالح، وحتى يحين الوقت للسعودية اختيار شريك أوسع دون حزب الإصلاح ووفقا لما سيطرأ من تحولات وتغيرات مرتقبة. وتضع المملكة العربية السعودية جل آمالها ورهاناتها في اليمن، على هذا الصف القيادي الموجود في هذه القائمة، في رسم السيناريوهات القادمة وشكل ونوع القوى والمكونات التي ستشكل مستقبل العلاقة والشراكة السعودية اليمنية طرف حاكم يتقلد مصدر القرار والنفوذ بما يلبي آمال وطموحات تفي بالغرض والمشروع السعودي في المنطقة.
<