عيد الجلاء / عيد اكتمال الروح
تتوالى الذكريات الوطنية وتبقى كما هي لكنها تطل علينا في ظل ظروف متشعبة وأحداث متصاعدة يمر بها يمننا الحبيب, ورغم قسوة اللحظة إلا إن قداسة هذه الأعياد تثير فينا الشغف والحنين لتلك اللحظات المشرقة والإنجازات البراقة التي حققها أباؤنا وأجدادنا وتوارثناها جينياً قيماً وأفكاراً وسلوكاً ومعتقدات ومن خلالها ضبطت إيقاعات وعينا الوطني وسلوكنا النضالي لا نحيد عنها قيد أنملة ولا نمل من التباهي بمعطياتها والزهو بأثرها الجم في رسم جغرافية اليمن ولملمة شتاتها وجعلها دولة كاملة السيادة والحضور بعراقة الماضي ونضال الحاضر ورؤى المستقبل . يحق لي كفرد أنتمي لجمهورية اليمن الاتحادية أن أعتبر الثلاثين من نوفمبر عيد اكتمال الروح حيث العودة الحقيقية إلى لحظة فارقة في تاريخ اليمن حلمت أجيال في مجيئها بعدما جثم الاحتلال ما يربو على قرن وثلاثة عقود من الزمن تفسخ فيها اليمن السعيد أرضاً وإنساناً وغدت مجرد فقاعات لا معنى لها ; وكأن المحتل بهذه الحيلة عرف الشفرة التي تمكنه من بعثرة الحمية اليمنية وردة فعلها تجاه أي معتد ; لكن تلك الحيلة الاحتلالية تفرقعت في الهواء وعاد اليمني إلى رشده بعد أن اختمرت فكرة طرد الاحتلال ردحاً من الزمن وانفجرت كبركان في وجه المحتل متحدية الفارق الشاسع بينهما غير مكترثة بنصر أو هزيمة والأنكى من ذلك أنها أصبحت فكرة مصيرية لا رجعة عنها, مزقت سكون المحتل وأثارت سخطه مزعزعة كيانه البغيض قالبة بقاءه رأساً على عقب وأجبرته على الرحيل رغم قوته وجبروته -إلا أنه أعلن الاستسلام لإرادة اليمني- يكتنفه القهر والخنوع ويتلحف الخزي والعار بعد أن ترك أرض اليمن التي امتص خيراتها زمناً طويلاً . ومن هنا فإن الدرس عظيم في ذكرى الثلاثين من نوفمبر 1967 م حيث تكبر العظة والعبرة بين الأمس واليوم .. بين احتلال بغيض خارجي وبين انقلاب مرير داخلي ...بين ردة فعل اليمني آنذاك واستبساله القاهر ضد التمسك الشنيع من المحتل وبين نضال الشرفاء اليوم وحماسهم المطلق لقيم الثورة والجمهورية والحرية والدولة .. بين فكرة صد الاحتلال التي كانت مجرد خيال يخطر في بال اليمني حينها وبين فكرة دحر مليشيات الحوثي الانقلابية التي باتت حاجة ماسة وضرورة ملحة يؤمن بها كل يمني حر تذوق حلاوة الجمهورية والحرية وتم اختطافهما منه في ليلة وضحاها , وهل بمقدوره الرضوخ لمثل هكذا واقع , واقع بلا جمهورية , واقع بلا حرية , واقع بلا دولة , واقع ملبد بالاستبداد والسلب والنهب وبأفكار سوداء وشائعات سخيفة تبث بين الفينة والأخرى في أوساط المجتمع ويعتقد السلاليون أن بمقدورها ايجاد صورة مبجلة لهم في وعي اليمني ، ومما يجدر قوله هنا أنه لا يمكن أن نشهد تعايشاً بين اليمني وبين المستبد سواء كان داخلي أو خارجي مهما طال صبره وانتظاره قبيل الانفجار في وجهه ودحر وجوده من حياته . اليمن شعب لا يرضخ للذل ، ولا يمتطي صهوة الاستبداد والتخلف ولا يتعايش مع فكرة السيادة والتعالي والحكم المرتبط بالحق الإلهي وواقعنا اليوم يثبت صحة ما أقول ويبرهن جدوى ما أؤمن به بوعي أبناء شعبنا اليمني ومقاومة مليشيات الكهنوت من أقصى اليمن إلى أدناه دون الاعتبار بما يبذله خصمهم من أفعال شنيعة بحق أبناء جلدته ، بل لعل تلك الممارسات الفاشية التي تنتهك حرمة اليمني وحياته تمنح الآخرين قوة وتماسكاً بحقيقة استعادة الدولة من يد الخاطفين والعودة إلى النقطة المشتركة بين أفراد الشعب وهي استكمال صياغة الدستور وفق مخرجات الحوار الوطني التي كانت أكثر من شاهد على رؤية اليمني السياسية واتساع أفقه والابتعاد عن فرض السياسة بقوة السلاح . قد يطول حديثي هنا لكن عذري في ذلك هو اندهاشي وعجبي بيوم مثالي وفريد كالثلاثين من نوفمبر حيث تختمر في جنباته الكثير من الحكم والصفحات الناصعة أردت التفكر فيها وإبرازها للسطح لعلها تضيء الطريق للمرابطين في الجبهات وكل منتسبي جيشنا الوطني وقواتنا المسلحة ومقاومتنا الشعبية الذين يسيرون على نفس وتيرة آبائهم ومن موقعي كرئيس هيئة الأركان العامة فإنني مضطر لإخراج ما يدور في خلدي ويختلج مشاعري من أفكار تتعلق بمعركتنا الفاصلة بين قيم الجمهورية وسلوكيات التخلف وما تفرضه هذه المسألة الوجودية من إرادة وطنية وحماس نضالي واستعداد كاف ومتفوق يتجاوز الخصم وهذا لا محالة وارد طالما أن مشروع الخصم الطائش والمتهور يقوم على معتقد هش وسلوك دنيء ووعي مغلق سياسياً وقيم هابطة أخلاقياً وإنسانياً وبعد شاسع عن معنى الدولة والنظام والقانون فمن المؤكد تلاشيه وانزياحه عن الوجود مهما بذل من سبل انتحارية خائبة بغية صد هجمات وضربات جيشنا الوطني ومقاومتنا الشعبية في مختلف الجبهات والتي تطارده كاللهب وتحاصره يوماً بعد آخر وتفقده شيئاً مما في يده كل لحظة وتشعره بالوحشة والضيق وسيعود حتماً إلى جرفه مدحوراً وقد ترك خلفه الكثير من المآسي والأحزان التي لحقت بحق كل يمني ، لكن مثلما حلم آباؤنا بالثلاثين من نوفمبر فإننا نحلم كجيش وطني وقوات مسلحة ومقاومة شعبية ومجتمع يمني بيوم يصبح الجرف هو المأوى الوحيد للحوثي ورفاقه فتضيء الجمهورية من جديد وتشرق قيمها كما كانت ويصدح نشيدنا الوطني في كل المؤسسات والمدارس وتغور صرخات الموت الحضيض , وإني على ثقة كاملة بهذه اللحظة مستشعراً إياها مما يسطره الشرفاء والبواسل من أفراد وضباط جيشنا الوطني ومقاومتنا الشعبية في جبهات اليمن المختلفة, ولعلي أنتهز هذه المناسبة السعيدة لأبعث آيات الشكر والعرفان والاحترام لكل أولئك الأبطال متغنياً بأمجادهم وشجاعتهم الفريدتين وإرادتهم الوطنية التي لا مثيل لها وسيسحق عدوهم وسيزول عما قريب طالما كانت قوة التحالف العربي له بالمرصاد وإرادة أشقائنا في قيادة التحالف العربي لاستعادة الشرعية والوقوف مع إخوانهم اليمنيين في محنتهم المباغتة التي اختلقها الحوثيون وعليه فإننا نقدم شكرنا وامتناننا الكبيرين لما يبذله التحالف العربي مع اليمن أرضاً وإنسانا مضحياً بالدماء والمال والعتاد في سبيل طي خطر الحوثي على الأمن والسلام داخلياً وخارجياً منذ انطلاق عاصفة الحزم في 25 مارس 2015 م وحتى اليوم والتضحيات جسيمة والمحاولات حثيثة بغية النصر وهو قريب بلا شك وهذا العطاء الذي لا يستهان به وسيذكره التاريخ مسجلاً للقيادة الحكيمة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة هذا الموقف الإنساني العظيم مع القيادة السياسية لجمهورية اليمن الاتحادي ممثلة بفخامة الأخ رئيس الجمهورية المشير الركن / عبدربه منصور هادي القائد الأعلى للقوات المسلحة والأمن الذي يبذل ما بوسعه في سبيل استعادة الدولة ويحاول بحنكته وعبقريته تجاوز الصعاب التي تعترض طريق النصر مستجدياً العون والسداد من الله أولاً ومن جشيشنا الوطني ومقاومتنا الشعبية ثانيا ، ومن التحالف العربي ثالثا متلحفاً الأمل والعزيمة ومتمسكاً بعهده الذي أقسم عبره بالحفاظ على اليمن حتى لو كلفه ذلك روحه , فلهم جميعا منا كل التحية والاحترام على موقفهم البطولي الراسخ والمتين كجبال ردفان التي انطلقت منها أول شرارة هزت كيان الاحتلال وتوالت بعدها شرارة الرابع عشر من أكتوبر حتى كان الخلاص في مثل هذا اليوم العظيم . كما لا أنسى القول أني على ثقة كاملة بما يمكن أن يبذله إخواننا في المحافظات التي ما زالت تحت سيطرة الحوثي وكيف سيفتكون به ساعة الصفر وسينهشون جسده لولا صبرهم وانتظارهم ما ستؤول إليه الحلول السياسية التي لا تجدي نفعاً مع كيان مثل الحوثي , كيان لا يتعاطى مع السلم ويستلذ بالحرب على حساب غيره وسيسطر أبناء تلك المناطق مجتمعين دروساً في النضال والوطنية ويتخلصون من هذا الوباء بكل جدارة . أختم حديثي ببعث آيات التهاني والتبريكات إلى قيادتنا السياسية والعسكرية في الداخل والخارج وإلى كل أبناء الشعب اليمني الجسور في كل شبر من أرضنا الطاهرة وأخص بالذكر ضباط وأفراد جيشنا الوطني وقواتنا المسلحة ومقاومتنا الشعبية الصامدين البواسل في مختلف مواقع الشرف والبطولة.. تحية للجميع بلا استثناء . بقلم : الفريق الركن بحري / عبدالله سالم النخعي رئيس هيئة الأركان العامة .
نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص