الذكرى الثالثة (سيرة غياب أمي )
تتوالى السنوات في العبور عاماً بعد آخر, ولم أكن ممن يحصيها عددا أو يفند نجاحاته فيها إلا أنها استوقفتني بشكل مغاير حين حملت أمي معها في الثلاثين من نوفمبر 2015 م إلى باحة الغياب, في رحلة خلفت وراءها الكثير من الآسى والفراغ الشاسع ,عجزت كطفل أخير لهذه الأم في صد مأساتها أو تحمل تبعات هذا الغياب لكني في المقابل أعلنت الاستسلام والاعتراف بالفشل, لقد جرفني حزنها في كل وادـ ممتلئ بالفقد ومرصع بالدمع بروح جدباء وقلب منخور, تموج فيه فيضانات الوداع المباغت والتهاوي الساحق الذي ألم بي وأنا أتجرع قسوة الأيام التي تلتْ غيابها بخيبة لا متناهية من وخز الانكسار وطاحونة الضياع , ورغم محاولتي قدر المستطاع التماسك أمام هذا الجرم إلا أنها باءت بالفشل, ليس لكوني شخص هزيل وعاطفي أكثر من اللازم وإنما لكون المفقود من المعادن الثمينة والنادرة التي يستحيل خلق مواز لها أو شبيه لنفس صنفها أو تلمس جذر يتقارب مع منبتها سلوكاً وفكرة وقطرات حياة وضياء, كانت تسقي الروح وتضيء أدغال النفس الكامنة بسهولة ويسر , ومع اختفاء قطرات الحياة والنور تلك أقفرت أرضي وتصحرت حياتي وملئت بالسواد الكالح والعتمة الخانقة التي سلبت وجودي وحشرجت بقائي وأتلف الاستمرار كما كنتُ عليه حين كانت تظللني بإشراقتها وترعى خطواتي خطوة خطوه كقوة خفية لم أكن أكترث لأثرها الجم في سيران لحظاتي ... أجزم قائلاً: لم أكن ذلك الطفل المدلل الذي رعته عن كثب أو سيطرت على مجمل حياته وسلوكه ولم تأخذ علاقتي معها طابع الصلة البينة وإنما أخذت شكلاً من التواءم الخفي والتواشج الروحي الصامت بإحساس متعانق ومشاعر متحدة الرؤيا ونظرات عابرة للظاهر من يراها يظنها جفاءً وجفافاً إلا أنها مصبغة بالحنان ومنتقاة من صفاء القلب ورغد الأمومة الفائض بكل معان النعيم والرخاء المتدفق بسبل لا حصر لها من السكينة مما جعلني أتسامى بحبها وعطفها وأرتقي سلم البهجة والهناء بشعاع كينونتها واستيعابي ضمن حدقاتها , ولستُ هنا مبالغاً في وصف سرنا المكنون بل أجدني أعجز عن رسم ملامح حميميتنا المتينة التي استحال فصلها بيسر لحظة رحيلكِ يا أمي ,وكأنكِ حملتِ كلمة السر لفك الارتباط بك ِ وبقيتُ هنا كآلة مفككة لا يقدر أحد على إعادة تأهليها وإصلاحها لأواصل وجودي كإنسان من صنع يدكِ وروحكِ, بلورته أصابعكِ الحنونة وسوته عواطفكِ إنسانا .. أمي العظيمة, لستُ هنا في لحظة تأبينكِ أوسياق رثائكِ بقدر ما أسعى جاهداً لتقييم حياة طفلكِ صلاح بعد المغيب وتطويق ذكرياتكِ التي تملأ كل لحظة عشتها قبل أن تحل عليّ كارثة فراقكِ وتتوكأ أيامي على عكاز الخيبة منهكة الساعات ومحدودبة الدقائق تترجى اللحاق بكِ عقب خسرانكِ المبين ... أمي لقد فقأت عينا قلبي قبل أن تفقأ عينيك في التراب, واندس أثري في جرف الضياع قبل أن يبتلع رفاتك الثرى لأنكِ جمهوريتي التي وئدت باكراً قبل التغني بأمجادكِ وفضائلكِ وقبل أن أدرك تفاصيل عظمتكِ ما ظهر منها وما بطن, وقبل أن استوعب حقيقتكِ كأمـ وأرتوي من عطفكِ الذي لا ينضب وسخائك الذي لا يمل . يا أمي ! بودي إطلاعكِ على محطات من حياتي إبان رحيلكِ وقد انقشعت من جذورها وتفرقت طرق عبوري في هذا العالم المكتظ بالعذابات والخيبات المتتالية ... لم أعد أسلك ذلك الطريق الذي كان يدلني قلبكِ عليه , ولم أعد ذلك الشخص الذي كنتُه معكِ .. صرتُ أتسكع بلا ملامح ولا رؤيا, متنكراً بهيئة أبعد ما تكون عني, سالكاً الطريق الموغل بالخيبة والانكسار , طريقاً لا نصر فيه ولا طموح ينبع من جوانبه, متدثراً بالفشل والتجرد إلى حد تعري أناي في القاع , ولعلي أستحق هذا المصير طالما كنتُ أقلل من حجم سندكِ لي وما تمنحني إياه قوتكِ المتخفية في أوصالي والتي كانت تتبع الأدغال السحيقة في أقاصي الروح , تزرع فيها الأمل وتربي الأحلام وتدفعها للانبعاث, تمنحها الثبات ومقارعة اليأس .. بفضل وجودكِ معي كانت تعتريني الحياة بصورة مبجلة وجميلة, مكتظة بالأماني والخيالات العذبة وغدت في ظرف ليلة كهذه مزرية وقاحلة ومثقلة بالوحشة والاكتئاب وتكاد تتقلص وتتلاشى حد الاختفاء . أيتها العزيزة: أخاطبكِ بلغة مجازية حيناً وبلغة واقعية مريرة حيناً آخر لتدركين ما أصدق فيه وما أجانب الحقيقة .. لقد خذلني أبي ...خذلتني حبيبتي وخذلني الوطن, انصبت مجملها فوق سنواتي حتى تهشم قلبي وتاه فكري وخارت قواي أمام هذه الحشد الذي تقاطر نحوي, وكم أملك من ممانعة وقد تعاضدت لتطرحني أرضاً في زمن قياسي فلم أتمكن من الفرار من بعضها وستجدني يا أمي لأول مرة أبوح لك بهذا السر لأنكِ وحدكِ من تستحقين كل اعتراف لتدركين غيابك ومآلاتهِ بالنسبة لي , وكيف غدوتُ وحيداً بلا سند ولا معين , أتلفت يمنة ويسرة دون مصادفة منقذ عابر أو صديق متعمد يتوخيان غرقي في هامش سنوات مملة وسخيفة, تتفشى فيها الأوبئة القاتلة والأردية المبرقعة النتنة من جهل وفقر واضمحلال لقيم الإنسانية والحرية و اختفاء لكل شيء جميل كنا كسبناه فيما مضى .. يغادرنا الجمال والحب والحلم والسلام والتاريخ حيث لا رجعة, وتتساقط ملامح الحياة وتستبدل بأطياف حزن وانحلال للقيم والمشاعر والأفكار والأخلاق فترانا نتجرع صنوفاً شتى من القسوة والهلاك والشتات والبؤس ويداس وجودنا في الحضيض ويتخلى العالم عنا ويبتدع رؤيته لنا كما يشاء وبحسب ما يرغب حتى لو كانت نظرته لنا تلك تنبئ عن معنى التشفي للمصير الذي وقعنا في فخه ونفخنا كيره ... هذه الأشياء التي أدركها من حولي يا أمي هي من جعلتني أحس بفداحة أفولكِ ..وكلما استعصى عليّ رد أوجاعها استلهمت سيرتك العطرة لعلي أصادف حكمة كنت تغافلتُ عن تشرب معناها أو قراءة جوهرها ولذا أحرص دوماً على التسلل إليكِ والنبش في كل لقطة وقفت بها معكِ . أمي: عن أي طامة أحدثك وقد التهمني رحليلكِ وأحرق إحساسي بما يدور بجانبي عدا الإحساس أن روحي سلبت مني مما قادني لتذوقه في كل ما ألمسه أو أتنفسه أو أنظر إليه فستجدينني متذمراً متأففاً كطفل أصابه السأم , اختفت عن ناظري الهيئات التي كانت محفورة لمعظم الكائنات في ذاكرتي واعترتني صورة مشوشة ومتنافرة وتلاشت صلتي معها فزاد الإحساس بالغربة حين زاد الافتقار إلى الألفة وبلغ الجفاف الإنساني مبلغاً خطيراً ويكاد يفتت شباك النسيج المرتبط بالمجتمع جراء افتقارنا لما يعزز الذات ويمدها بطاقة فذة من الحنان والحب ويغمرها بالعاطفة والتلاحم . يا أم صلاح ! لا أدري كيف يتناسى الآخرون فقداءهم وهم يذهبون وقوداً لحرب لا مبرر فيها لمعنى التضحية وكأنهم خرجوا في نزهة أما أنا تكوم على عاتقي حزن كل من فقدوا واختلط أنيني بآهات من رحلوا لحظة إدراك وقوعهم في فخ الغواية والسذاجة والحماقة المبتذلة .. لقد شدني الوقوف بحضرتك للتو صوب نواح كثر في داخلي وعلى امتداد خيالي المتصحر ورؤياي العاجزة, و أنا الآن أستجمع ما تبقى من الكلمات في قاموسي لأرمم جرحي بجمل قد لا تفيك حقكِ ولا ترتقي لمستوى نضوبكِ الفادح والمريع رغم نصوع مناقبكِ المشعة ولولاها لم يكن يبدي الآخر أدنى حد من الاحترام لي كما لو كنتِ مثالاً وتمثالاً للحب ..للجمال, للمرأة الاستثنائية, للأم المنتقاة من جينات الملائكة ..للإنسان المتفرد بطهر ونقاوة كيانه وسلوكه وشخصيته المؤثرة والمحيرة لدى كل من يصادفه, وقد دفعتني هذه الحقيقة للقول: إن مكانتكِ عند الله ليست بهينة وتبدو في غاية التبجيل والوقار حقاً طالما وهبكِ كل هذا الإعجاب والرضى والذكر الحسن فتلاشى ذلك الشك بداخليِ فيما يخص تحقق أمنياتي وأحلامي التي كنتِ تترجين الرب أن يبلغني إياها ويغمسني في باحتها , ورغم تشبثي بفتيل الأمل الذي التقطته من هذه الزاوية إلا أنه يمر عليّ كما يشعر به ظلٌ فقد شيئاً ينقل منظره , ساكن ومتصلب أنتظر فوهة للضوء وثقباً للبزوغ .. رحمات خالدات لروحك السامقة. ومما يلزمني التنبيه عليه , أنه قد يمل قارئ ما يتصفح هذه الكلمات تكرار مناداتي لأمي لكنه سيعذرني لو أدرك شغفي لهذا النداء بعد أن فقدته للأبد ..
نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص