ثورة 11 فبراير.. دموعٌ في عيونِ شبابها

عندما يجود الشباب بأعز ما يملكون وهي الأرواح والدماء في سبيل تحقيق هدف وطني سامي ينشده الملاين ويستريح تحت ظلاله المقهورين عشاق المجد والحرية، الحالمين بدولة الحق والعدل والمساواة، دولة الحداثة والرُقي اللامحدود. عندما يبذلون كل ذلك، لا يتوقع أولئك النائمون منهم في قبورهم المفارقين لأهلهم وأحبائهم أنه سيأتي أحدٌ من بعدهم يعتبرهم وأرواحهم بضاعة يعرضها بين الفينة والأخرى للتكسب والظهور!!
 كتبنا وتغنينا بثورة الحادي عشر من فبراير 2011م ، عزفناها لحناً وغنيناها نشيداً وأغنية، غير أني شعرت بالحزن عندما رايتُ الشباب الذي ضحى وتشرد ونام على قارعة الموت وعانى لهيب الصحراء ومزقت أقدامه ضروس الجبال الحادة واخترقت أجساده رصاصات الغدر الحوثعفاشية في كل ساحات الحرية والتغيير بالأمس، وفي جبهات المعارك اليوم على قمم الجبال والسفوح والهضاب والسواحل والسهول، عندما أراهم يتجرعون آلام جراحهم والشظايا تنام في أجسادهم ويرون الباعة عياناً يتاجِرون بنظالاتهم بكل فجاجة وصلف.
 كان البعض منهم يجلس في الصفوف الخلفية في فعالية كوالالمبور الجمعة الماضية يعتصرهم الحزن ويوكيهم القهر، يتأمل بتعجب!! على غيره من الباعة في المنصة أمام الأضواء يلبس ربطة العنق مزين بقصات الشعر يلوك الكلمات وكأن على أضراسه "علكة" يقدم نصائحاً وحلول! وهو لم يحضر معركة ولم يشتم رائحة بارود ولم يخض تجربة ولم يحمل سكيناً أو بندقية ولم يذق بعض مرارات الجوع والخوف والعطش الذي ذاقه الشباب ألواناً وصنوف ولم ير مصارع الموت والأشلاء التي رأوها، بات اليوم يعرض نفسه ثائراً ومقدماً نفسه مناضلاً حاضراً وحاذق.
إنها المأساة الممتدة على كل ساحات الوطن، إنه الحزن المخيم الحال في كل روح جراء نتائج 
التخاذل والخذلان لأولئك الشباب،  إنه التيه الذي صنعه الساسة الفاشلون والباعة المتجولون وتجار الحروب، إنه الخوف من الآتي المجهول الذي صار بأيدٍ صفراء لم تر عدلاً للقضية اليمنية ولا حلاً مستعجلاً لعودة الوطن لأصحابه وأهله.
 إنها المأساة التاريخية المتكررة لمآسي أبو الأحرار الأستاذ محمد أحمد النعمان وأمين عام رابطة ثوار 26من سبتمبر في عدن وأمين الدعم المالي للثورة ورجالها والذي لم يذكر له أحد إسم أو يعرض له صورة! إنها مأساة النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب بطل حرب السبعين يوماً وكاسر الحصار الذي ضربته فلول الملكية على صنعاء هو ورفاقه الشجعان والذي غاب عن المشهد وكأنه لم يكن، وعند استعراض ثورة 26 من سبتمبر يكون هذا البطل على الدوام منسياً وكأنه لم يحمل سلاحاً من أجل الوطن أو بندقية ويغدر به الجبناء ويُسحل على شوارع صنعاء بعد مقتله غدراً وخيانة! حتى أنه لم يلق إنصافاً من أهله ومن واكبه في فترة نضاله، بينما أخبرني أحد الأصدقاء أن صورته تزين جدران البعض في مناطق شمال الشمال.
 إنه الجهل التاريخي الثوري المخيف، إذ لم يذكر أحد الملازم البطل محمد صالح فرحان الميرابي والذي ألَّف باسمه كتاباً الباحث عبدالسلام عثمان، تحت عنوان محمد صالح فرحان بطولات ومواقف والذي هو الآخر قتل غدراً في أحد شوارع صنعاء في أحداث أغسطس 68 المشؤومة.
هذه الحقائق هي التي طرحت سؤااالاً عريضاً لماذا تم سرقة الثورة وتجاهل صناعها ولم يتم تحقيق أهدافها؟ ذلك لأنها لم تخلد في الذاكرة أحداثاً وشخوص بل اعتراها التشويه والسرقة من مشوهي الفكر مشروخي الوجدان ومصادرتها بطولات ومواقف من قبل فلول الإمامة وعكفتهم الذين عادوا بلباس جمهوري إلى السلطة وباتوا يستشرون تحت الجلد الجمهوري حتى انسلوا لنا ثانية من كهفهم وعباءة عُكفة القبيلة المتخلفة.
إنه التكرار المتوالي للتاريخ .. إنها مقاربة موجعه للأحداث في جنوب اليمن وشماله، إنه الارتهان الدائم والارتماء بأحضان الخارج الذي لم ولن يحس بآلام اليمنيين ويرى دموعهم بقدر رؤيته لأهدافه ولن يحس بنزيف اليمنيين بقدر حفاظه على أمنه ومصالحه.
عذراً يا أبطال فبراير، أيها الشهداء الساكنين في قلوبنا أرواحاً ومواقف، المتكئين على سرائر الوطن المفدى أجساداً ورفات، عهداً لكم من كل الشرفاء أن قبوركم لن تنمحي وأرواحكم لن يعتريها النسيان وعلى أن ألا تصبح دماؤكم بضاعة يتكسب منها من ينتهز الحدث في وطن موجوع وجريح.

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص